فهرس الكتاب
وَإِنَّمَا يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا ، وَأَجَازَهُ آخَرُونَ ، قَالَ السُّبْكِيّ: وَهُمْ أَكْثَرُ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ، وَمِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ الْأَشْعَرِيَّةُ وَالْكُلَّابِيَّةُ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ: لَا يُقَالُ أَنَا مُؤْمِنٌ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ ، بَلْ يُضَمُّ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ: التَّخْيِيرُ ، وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، إذْ مَنْ أَطْلَقَهُ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ جَازِمٌ فِي حَالٍ ، وَمَنْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ ، إمَّا لِلتَّبَرُّكِ أَوْ لِلْجَهْلِ بِالْخَاتِمَةِ ، وَالْكَافِرُ فِي التَّقْيِيدِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ كَالْمُسْلِمِ .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِيمَنْ يَأْتِي بِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي ثُبُوتِ الْإِيمَانِ لَهُ حَالًا لِأَنَّهُ كَافِرٌ ، بَلْ فِيمَنْ هُوَ جَازِمٌ بِهِ حَالًا إذْ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ إلَى الْمَوْتِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهُ ، وَوَجْهُ جَوَازِهِ أَنَّهُ لَيْسَ الْقَصْدُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ إلَّا التَّبَرُّكَ اتِّبَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ طَلَبَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَطْعِيِّ الْحُصُولِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِيهِ فِي: { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ } مَعَ أَنَّ خَبَرَهُ تَعَالَى قَطْعِيُّ الصِّدْقِ تَعْلِيمًا وَتَأْدِيبًا لِعِبَادِهِ فِي صَرْفِ الْأُمُورِ كُلِّهَا إلَى مَشِيئَتِهِ ، وَوَجْهُ رَبْطِهِ بِالْمَشِيئَةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي النَّجَاةِ هُوَ الْمَوْتُ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ فَصَحَّ رَبْطُهُ بِهَا لَا تَعْلِيقًا ، بَلْ تَبَرُّكًا وَاتِّبَاعًا وَخَوْفًا مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ وَأَمَّا تَوْجِيهُ مَنْعِهِ فَإِنَّ تَرْكَهُ أَبْعَدُ عَنْ التُّهْمَةِ بَعْدَ الْجَزْمِ فِي الْحَالِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ وَبِتَقْدِيرِ أَنَّهُ قَصَدَ غَيْرَ التَّعْلِيقِ فَرُبَّمَا اعْتَادَتْ نَفْسُهُ التَّرَدُّدَ فِي الْإِيمَانِ