فهرس الكتاب

الصفحة 17383 من 17437

الْقُرْبِ مِنْهَا ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ } ، ( فَإِنَّ ) ، أَيْ لِأَنَّ ( الْمَرْءَ أَسِيرُهَا ) ، أَيْ أَسِيرُ النَّفْسِ ( عِنْدَ قُرْبِهِ لِمَا تَسْتَلِذُّهُ ) ، فَإِذَا اسْتَلَذَّتْ مَعْصِيَةً وَقَرُبَتْ مِنْهَا عَسُرَ جَذْبُهَا عَنْهُ .

وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّذَّةَ الْأُخْرَوِيَّةَ - وَهِيَ لَذَّةُ الْجَنَّةِ - فِيهَا هِيَ ارْتِيَاحُ النَّفْسِ عِنْدَ إدْرَاكِ مَا تُدْرِكُ مِنْ الْأَشْيَاءِ ، فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى أَلَمٍ يَتَقَدَّمُهَا أَوْ يُفَارِقُهَا ، فَيَجِدُ أَهْلُهَا لَذَّةَ الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ ، وَلَذَّةَ الْمَطْعُومِ مِنْ غَيْرِ جُوعٍ ، وَاللَّذَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ ثَلَاثَةٌ: عَقْلِيَّةٌ وَحِسِّيَّةٌ وَخَيَالِيَّةٌ ، وَكُلٌّ مِنْهُنَّ دَفْعُ أَلَمٍ ، وَالْأُولَى بَدَهِيَّةٌ ، وَحَصَرَهَا الْفَخْرُ وَالسُّبْكِيُّ فِي الْمَعَارِفِ ، أَيْ مَا يُعْرَفُ ، أَيْ يُدْرَكُ وَمَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ ، أَيْ الذِّهْنِ مِنْ لَذَّةٍ حِسِّيَّةٍ ، كَقَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَشَهْوَةِ الْفَرْجِ ، أَوْ خَيَالِيَّةٍ ، كَحُبِّ الِاسْتِعْلَاءِ وَالرِّئَاسَةِ فَهُوَ دَفْعُ الْأَلَمِ ، فَلَذَّةُ الْأَكْلِ دَفْعُ أَلَمِ الْجُوعِ ، وَلَذَّةُ الشُّرْبِ دَفْعُ أَلَمِ الْعَطَشِ ، وَلَذَّةُ الْجِمَاعِ دَفْعُ أَضْعَافِ الْمَنِيِّ لِمُحَالِهِ ، وَلَذَّةُ الِاسْتِعْلَاءِ وَالرِّئَاسَةِ دَفْعُ أَلَمِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ .

وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا الطَّبِيبُ: اللَّذَّةُ هِيَ الْخَلَاصُ مِنْ الْأَلَمِ بِدَفْعِهِ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَدْ يُلْتَذُّ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ أَلَمٍ بِضِدِّهِ ، كَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَسْأَلَةِ عِلْمٍ أَوْ كَنْزِ مَالٍ فَجْأَةً مِنْ غَيْرِ خُطُورِهِمَا بِالْبَالِ وَأَلَمِ الشَّوْقِ إلَيْهِمَا ، وَقِيلَ: هِيَ إدْرَاكُ مُلَاءَمَةِ الْمُلَائِمِ ، وَالْمُلَائِمُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلطَّبْعِ الْمُوَافِقُ لَهُ ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْإِدْرَاكَ مَلْزُومُ اللَّذَّةِ لَا نَفْسُ اللَّذَّةِ ، وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ الْفَخْرِ أَنَّهُ حَصَرَ سَبَبَ اللَّذَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ وَالْوُقُوفِ عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت