بَابٌ فِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ ( تَجِبُ صِلَةُ الرَّحِمِ وَلَوْ قَاطَعَا ) قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ } ، أَيْ وَاتَّقُوا قَطِيعَةَ الْأَرْحَامِ { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ } - إلَى - { أَبْصَارَهُمْ } ، وَ { يَقْطَعُونَ مَا أَمْرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } - إلَى - { وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } ، ( وَرُوِيَ: { أَسْرَعُ الْخَيْرِ ثَوَابُ صِلَةِ الرَّحِمِ } وَ ) أَسْرَعُ ( الشَّرِّ عُقُوبَةُ الْبَغْيِ وَقَاطِعُ الرَّحِمِ كَافِرٌ ) وَوُجِدَ فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ كِتَابٌ بِالْعِبْرَانِيَّةِ:"أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنْ اسْمِي ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ"وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ مَكَّةَ إذْ خُصَّتْ بِذِكْرِ إضَافَةِ اللَّهِ إلَيْهَا إذْ هِيَ أَعْظَمُ الْبِلَادِ حُرْمَةً ، وَلِأَنَّ الْأَرْضَ بُسِطَتْ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ فَهِيَ أُمُّ الْقُرَى وَالْبِلَادِ ، وَفِيهِ تَهْدِيدٌ لِسَاكِنِيهَا مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى التَّقَاطُعِ ، وَتَرْغِيبٌ فِي التَّوَاصُلِ لِيُوَاصِلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِينُوهُ عَلَى التَّبْلِيغِ عَنْ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا ، وَفِيهِ إضَافَةُ ذُو بِمَعْنَى صَاحِبٍ إلَى الْعَلَمِ وَهُوَ بَكَّةُ بِالْبَاءِ بِمَعْنَى مَكَّةَ بِالْمِيمِ ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ لِعِزَّتِهِ ، وَالْمُرَادُ بِوَصْلِ اللَّهِ إعْطَاؤُهُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعًا لِمَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ ، وَقَدْ يُدَّخَرُ لِلْآخِرَةِ فَقَطْ ، وَهُوَ قَلِيلٌ ، وَالشَّقِيُّ يَصِلُهُ بِالدُّنْيَا فَقَطْ عَلَى صِلَةِ رَحِمِهِ ، وَالْمُرَادُ بِقَطْعِهِ قَطْعُ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَقَدْ يُقْطَعُ خَيْرُ الْآخِرَةِ فَقَطْ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مِنْ اسْمِي لَفْظُ الرَّحْمَنِ وَخَصَّصْتُهُ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الرَّحْمَةِ مِنْ لَفْظِ الرَّحِيمِ فَيُبَالِغُ فِي رَحْمَةِ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ ، وَيَدُلُّ لِهَذَا حَدِيثٌ:"أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ".
وَأَمَّا أَحَادِيثُ:"شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنْ أَسْمَائِي"بِالْجَمْعِ فَالْمُرَادُ