بشكلٍ كافٍ لا يمثل مشكلة، فالمشكلة هي في النظام السعودي، الذي يريد أن يحتكر لأمرائه المسؤولية، عن كل أمر من هذه الأمور، دون ان يكلف نفسه من الالتزام بأبسط قواعد هذه المسؤولية؛ فكيف يتصور أن يقبل أو يعقل في أيِّ دينٍ أو شرعٍ أو أيِّ نظامٍ وقانون، أن تتكرر كل هذه المآسي كل سنة، دون أن يسائل أو يحاكم أو يفصل أو يعزل من كان تقصيره سببًا في ذلك؟ إن من التلاعب بعقول المسلمين، وتخدير مشاعرهم أن تستمر هذه المآسي، ويستمر المسؤولون عنها في المسؤولية، دون أدنى مُساءلة؛ أو اتخاذ أية إجراءات كافية لمنع تكرارها؛ والاكتفاء - في بلادة - بتقديم التعازي الباردة لأسر ودول الضحايا من ضيوف الرحمن، كل هذا الإهمال وعدم المبالاة، بأرواح الآلاف من ضيوف الرحمن وحجاج بيته، يتم في الوقت الذي يبدي فيه النظام السعودي، اهتمام غير عادي بأرواح أعداء الأمة من اليهود والنصارى؛ فها هو من أجل مقتل ستين يهوديًا محتلًا في فلسطين، يهرع إلى مؤتمر شرم الشيخ؛ ليقدم التعازي لعصابة صهيون المحتلة في فلسطين، ويُبدي تضامنه معها، ويصادق على مقرات المؤتمر التي تجرم الجهاد والمجاهدين؛ وها هو يقيم الدنيا ولا يُقعدها من أجل مقتل حفنة كفار، من العسكريين الأمريكيين، وقدم إرضاءً للأمريكان رؤوس مجموعة من الشباب الأطهار الغيورين على عقيدتهم وبلدهم وأمتهم، وزج بالآلاف في السجون، وعزل قادة عسكريين كبارًا؛ اتُهموا بالتقصير في حماية المحتلين الأمريكيين، واتخذت إحدى وثمانون خطة احتياطية؛ لمنع تكرار مثل تلك الأحداث، واعترفت الحكومة الأمريكية، أنه بالتعاون مع النظام السعودي، نفذت تسعة وسبعين خطوة من تلك الخطوات.
فمتى أصبحت أرواح حفنةٍ من الأنجاس اليهود والغزاة الأمريكيين أغلى من أرواح الآلاف من ضيوف الرحمن وحجاج بيته العتيق؟ هؤلاء الحجاج الذين جاءوا من كل حدبٍ وصوب، متجشمين عناء السفر، ومتكلفين باهظ التكاليف، ومتحملين مع ذلك كل أنواع الإهانات؛ من الإذلال والتفرقة والتمييز والمضايقات التي يسومهم بها النظام السعودي؛ يتحملون كل ذلك في سبيل أداء هذه الفريضة، وهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، ثم يجدون أنفسهم بعد ذلك وقودًا لمحرقة إهمال، وعدم مبالاة هذا النظام، بأرواح هذه الآلاف المؤلفة من الضحايا، وعدم اكتراثه بمشاعر أضعاف عددهم، من الأرامل واليتامى والثكالى والأيامى، ممن كانوا ينتظرون بفرحٍ غامر عودة ذويهم من رحلة العمر؛ فإذا بهم يستلمونهم جثثًا هامدة، في مأتم عالمي كبير، هذا إذا كانوا محظوظين واستلموا تلك الجثث، ولم يسط عليها النظام السعودي، ويحولها إلى مادة للتشريح؛ كما حدث في مراتٍ كثيرة، حيث يحفظ هذا النظام جثث بعض الحجاج الذين يموتون في أحداث الحج، ولا يجدون من يطالب بجثثهم، وجعل هذه الجثث مادةً يُجَرَّبُ فيها، ويطبق أساتذة وطلاب كليات الطب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إننا في الوقت الذي نقدم فيه خالص العزاء للأُمَّة الإسلامية عمومًا، وأُسَر ذوي الضحايا خصوصًا، ونؤكد حق هؤلاء في المطالبة بتعويضات عادلة، تناسب فداحة الجرم وفظاعة الأضرار التي تعرضوا لها.