فقد كان عجيبا حقا، شباب بعضه ثوري يؤمن بالعنف والجهاد المسلح، وبعضه جر للمعركة جرًا ولا يدري أين هو من تلك الزحمة وآخرون تحمسوا للحرب وزُجوا بها ثم وجدوا أنفسهم وراء الحدود ولا يربطهم بحماسهم وسبب اشتراكهم شيئا فعادوا لسالف حياتهم وسلوكهم، ومتضررون لوحقوا لسبب أو لآخر، وقيادات وسط بعضها يريد متابعة السياسة وبعضها مدفوع للعمل بحكم قرار الجماعة وولائه لها، وآخرون بعيدون عن أرض الجهاد والرباط (يحششون) بأخبار الجهاد التي تنقلها إليهم النذير أو يسمعونها من خلال اجتماعاتهم بأحد أولياء الله القادمين من قرب خط النار من دار الرباط إلى دول (النفط) أو إلى أوروبا ... إلى آخره من مزيج عجيب غريب لم يتوفر له قيادة واعية تحسن صهره بفضل ما توافر من إمكانات وتوظيفه في المعركة بل على العكس كان جوا مرضيا مناسبًا للإشاعات والقيل والقال والخلاف والتحزب والالتفاف حول محاور القوى، ومرتعا لدس المخبرين والعملاء.
8)تركيز المسؤوليات بأيدي قليلة ونشوء محاور القوى حول الأشخاص لا حول فكر معين:
سرعان ما تركزت المسؤوليات القيادية السياسية فيها والعسكرية بأيدي القلة القليلة من تلك الشخصيات التقليدية للجماعة وقد لعب الولاء أولا والقرب ن محور من محاور القوى ثانيا دورا رئيسيا في صناعة الكوادر الفاعلة من قيادات الوسط وهكذا أمكن أن نجد وأن نعيش واقعا عجيبا، كأن تتركز عدة مسؤوليات تحتاج الواحدة منها لجهاز متفرغ مؤلف م عدة أشخاص، وجدناها تتركز في يد شخص واحد، فقط لأنه خالص الولاء ولأن ماضيه الدعوي مشرف في نظر القيادة، في الوقت الذي كان من الممكن صناعة المئات من الكوادر من هؤلاء الشباب المكدسين في القواعد أو المعسكر، هذا التركز للمسؤوليات أفرز مع الوقت مرضا خطيرا كان جرثومه كامنا منذ أيام الدعوة في الداخل هو التحزب للشخصيات وهكذا نشأت محاور القوى التي أفرزت المحسوبيات والظواهر العجيبة التي لا تستأهل تسجيلها هنا، مما يمكن قبوله في أجهزة سلطوية لا جماعة إسلامية ثورية تزعم الجهاد ومحاور القوى هذه وفرت جوا ملائما جدا لانشقاق الجماعة الذي حصل في 1986 كمما مرّ معنا.
9)انقسام القواعد الإخوانية بصورة عامة إلى فئتين مختلفتي الحياة متباعدتي التصورات:
فئة مرابطة مجاهدة رهنت نفسها قيد الإعداد والرباط في معسكر العراق أو قواعد الأردن المدنية، رهن إشارة القيادة في التدريب والعمل بما في ذلك النزول للداخل أحيانا، وتركت التفكير في مستقبلها وبمصيرها جانبا لتلبي داعي الله، وجلّ أولئك من الذين كانوا قد شاركوا بشكل أو بآخر في الجهاد في الداخل عبر الطليعة، وفئة قاعدة خرجت مباشرة من الداخل لتستقر في السعودية والخليج وأوربا وغيرها من المواقع، باحثة عن مستقبلها في الدراسة والعمل والاستقرار العائلي، مع إبقاء هذا الانتماء لحركة جهادية عسكرية لا يكلف صاحبه شيئا وكان جلّ أولئك من قدماء الإخوان وبعض الجدد ممن لحق بالطريق ثم ابتعد .. ولقد بدا هذا الانشطار جليا إبان مأساة حماة وما بعدها وسرعان ما غدا هذا الصنف القاعد هو القاعدة التي تعوّل عليها القيادة في الانتخابات المتتالية في حين هجر معظم القسم الأول الساحة يائسا حانقا.
10)أثبتت تجربة الإخوان فشل محاولات الإصلاح المتتالية على الصعيد العسكري والسياسي من الداخل: