فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 660

وابن عاشور [1] ، وابن عثيمين [2] .

فعلى هذا التقدير لا يوجد تعارض بين هذه الآيات وحديث ابن عباس رضي الله عنهما، بل الآيات متفقة مع حديث ابن عباس رضي الله عنهما في أن المحرم من الميتة هو أكلها، دون الانتفاع بها [3] .

(1) انظر: التحرير والتنوير 2/ 116.

وابن عاشور هو: محمد الطاهر بن عاشور، رئيس المفتين المالكيين في تونس، مفسر، لغوي، نحوي، أديب، له أبحاث وتحقيقات علمية منشورة، وله في التفسير التحرير والتنوير، توفي سنة (1393 هـ) .

انظر: معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 3/ 363، معجم المفسرين لعادل نويهض 2/ 541.

(2) انظر: تفسير القرآن الكريم 2/ 250، 254، وذكره الرازي في التفسير الكبير 2/ 194، والبيضاوي في أنوار التنزيل 1/ 159.

(3) لكن على هذا التقدير في الآيات يوجد إيهام تعارض بينها وبين حديثين آخرين، هما:

1 -حديث جابر - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عام الفتح وهو بمكة:"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال:"لا هو حرام"ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك:"قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه" (أخرجه البخاري في البيوع، رقم(2236) 3/ 84، ومسلم في المساقاة، رقم (1581) 3/ 1207).

فالآيات على هذا التقدير تدل على أن المحرم هو أكل الميتة فقط، فيفهم من ذلك إباحة بيع الميتة والانتفاع بثمنها وغير ذلك، والحديث يدل على أنه يحرم بيع الميتة.

والتوفيق بينهما فيما يظهر لي أن يقال: إن مفهوم الآيات على هذا التقدير عام في إباحة الانتفاع بالميتة فيما عدا الأكل، وحديث جابر - رضي الله عنه - مخصص لذلك العموم بتحريم بيع الميتة وأكل ثمنها، ولا تعارض بين عام وخاص بل يحمل العام على الخاص.

ويمكن أن يقال: إن دلالة الآيات على إباحة بيع الميتة دلالة مفهوم، ودلالة الحديث على تحريم بيع الميتة دلالة منطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم، كما في الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 4/ 254، والله تعالى أعلم.=

=2 - حديث عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن بأرض جهينة، وأنا غلام شاب أن"لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب". (أخرجه أحمد في المسند رقم(18780) 31/ 74، وأبو داود رقم (4127) 4/ 67، والترمذي رقم (1729) 4/ 222، وحسنه، والنسائي رقم (4250) 7/ 175، وابن ماجه رقم (3613) 2/ 1194.

والحديث قال عنه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في العلل 1/ 52:"لم يسمع عبد الله بن عكيم من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو كتابه"، وقال عنه الترمذي بعد أن حسنه في 4/ 222:"وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم ... وكان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول كان هذا آخر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده"، كما حسن الحديث الحازمي في الاعتبار ص 176، ونقل في ص 178 عن الخلال قوله:"توقف أحمد في حديث ابن عكيم لما رأى تزلزل الرواة فيه"، ثم قال:"الحديث كثير الاضطراب".

وقد لخص الحافظ ابن حجر في التلخيص 1/ 48 ما أعل به هذا الحديث فقال:"ومحصل ما أجاب به الشافعية وغيرهم عنه التعليل بالإرسال، وهو أن عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، والانقطاع بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه من عبد الله بن عكيم، والاضطراب في سنده، فإنه تارة قال عن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عن من قرأ الكتاب، والاضطراب في المتن، فرواه الأكثر بدون تقييد، ومنهم من رواه بقيد شهر، أو شهرين، أو أربعين يومًا أو ثلاثة أيام". وانظر قريبًا من كلام ابن حجر في الخلاصة للنووي 1/ 75 - 76، نصب الراية للزيلعي 1/ 120 - 121.

وصحح الألباني في إرواء الغليل 1/ 78 إسناد الحديث وقال:"وهذا إسناد صحيح موصول عندي".).

فالآيات على هذا التقدير تدل على أن المحرم هو أكل الميتة فقط، فيفهم من ذلك إباحة الانتفاع بالميتة، أو بشيء من أجزائها كالجلد، والحديث فيه النهي عن الانتفاع بإهاب الميتة.

والتوفيق بينهما فيما يظهر لي أن يقال: إن الآيات تدل بمفهومها على إباحة الانتفاع بالميتة، ويدخل في ذلك الانتفاع بجلدها، بشرط الدبغ، كما دلت على ذلك السنة في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (أخرجه مسلم رقم(366) 1/ 277)، ويحمل حديث ابن عكيم - على القول بصحته - على النهي عن الانتفاع بإهاب الميتة قبل الدبغ، ويؤيد ذلك ما تقدم في حديثي ابن عباس - رضي الله عنه -، كما يؤيده القول بأن الإهاب في اللغة لا يطلق على الجلد بعد الدبغ، كما نقله أبو دواد في سننه 4/ 67 عن النضر بن شميل.

(راجع في ذلك ما يلي: ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص 257 - 259، معالم السنن للخطابي 4/ 188، التمهيد لابن عبد البر 4/ 165، الاعتبار في ناسخ الحديث ومنسوخه للحازمي ص 178، بداية المجتهد لابن رشد(الهداية في تخريج أحاديث البداية 2/ 189) ، الصحاح للجوهري، مادة (أهب) ، القاموس المحيط للفيروز آبادي، مادة (أهب) لسان العرب لابن منظور مادة (أهب) ، فتاوى ابن تيمية 21/ 102، فتح الباري لابن حجر 9/ 659، حاشية السيوطي على سنن النسائي [السنن 7/ 175] ).

وقد جعلت دفع موهم التعارض بين هذه الآيات وهذين الحديثين في الهامش؛ لأني لم أجد من أشار إلى التعارض بينهما ولو إشارة، فضلًا عن التصريح بذلك، أو محاولة دفع ما قد يتوهم من التعارض بينهما، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت