ولذا سلك أهل العلم مسلك الجمع بين قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... } [البقرة: 178] وحديث:"لا يقتل مسلم بكافر"مسلك الجمع، ولكنهم اختلفوا في الجمع بينهما على وجهين هما:
الوجه الأول: أن الآية عامة في وجوب القصاص على كل قاتل، ما لم يعف ولي القتيل، والحديث مخصص لذلك العموم، فلا يقتل المسلم إذا قتل كافرًا حربيًا أو ذميًا، ولا تعارض بين عام وخاص، بل يحمل العام على الخاص.
قال القرطبي:"فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] ، وعموم قوله: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] " [1] .
وقال الشنقيطي عن الحديث:"فهذا نص صحيح قاطع للنزاع مخصص لعموم النفس بالنفس، مبين عدم صحة الأخبار المروية بخلافه، ولم يصح في الباب شيء يخالفه" [2] .
وممن ذهب إلى هذا الوجه في الجمع الخطابي [3] ، وابن العربي [4] ، وأبوحيان [5] ، والشوكاني [6] ، والسعدي [7] .
الوجه الثاني: أن يحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"وأن لا يقتل مسلم بكافر"، على الكافر الحربي، وهو ما اتفق عليه أهل العلم كما تقدم، ويكون مفهوم الحديث دليلًا على أن المسلم يقتل بالذمي، ويوافق ذلك عموم الآية.
وممن ذهب إلى هذا الوجه أبو حنيفة [8] ، والنخعي [9] ،
(1) الجامع لأحكام القرآن 2/ 247.
(2) أضواء البيان 2/ 63.
(3) انظر: إعلام الحديث 4/ 2309.
(4) انظر: أحكام القرآن 2/ 129.
(5) انظر: البحر المحيط 3/ 681.
(6) انظر: نيل الأوطار 7/ 153.
(7) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 84.
(8) انظر: شرح معاني الآثار 1/ 195.
(9) انظر: فتح الباري لابن حجر 12/ 261.
والنخعي هو: الإمام الحافظ أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، فقيه العراق، توفي سنة (96 هـ) وقيل: آخر سنة (95 هـ) .
انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 4/ 520، تقريب التهذيب لابن حجر ص 94.