قال الشافعي:"إن الإسلام نزل ، وبعض العرب يطلب بعضًا بدماء وجراح ، فنزل فيهم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ... } [البقرة: 178] ، قال: وكان بدء ذلك في حيين من العرب اقتتلوا قبل الإسلام بقليل ، وكان لأحد الحيين فضلٌ على الآخر ، فأقسموا بالله ليقتلن بالأنثى الذكر ، وبالعبد منهم الحر ، فلما نزلت هذه الآية رضوا وسلموا."
قال الشافعي: وما أشبه ما قالوا من هذا بما قالوا ؛ لأن الله عز وجل إنما ألزم كل مذنب ذنبه ، ولم يجعل جرم أحد على غيره ، فقال: { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } إذا كان - والله أعلم - قاتلًا له ، { وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ } إذا كان قاتلًا له ، وَالْأُنْثَى { بِالْأُنْثَى } إذا كانت قاتلة لها ، لا أن يقتل بأحدٍ ممن لم يقتله ؛ لفضل المقتول على القاتل...
وما وصفت من أن لم أعلم مخالفًا في أن يقتل الرجل بالمرأة دليل ، أن لو كانت هذه الآية غير خاصة ، كما قال من وصفت قوله من أهل التفسير ، لم يقتل ذكر بأنثى" [1] ."
وقال ابن جرير:"كان بينا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى: { الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ... } [البقرة: 178] ، أن لا يقاد العبد بالحر ، ولا أن لا تقتل الأنثى بالذكر ، ولا الذكر بالأنثى ، وإذا كان كذلك ، كان بينا - على ما ذكرناه - أن الآية معني بها أحد المعنيين الآخرين ؛ إما ما قلنا من أن لا يعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني ، فيؤخذ بالأنثى الذكر وبالعبد الحر ، وإما القول الآخر ، وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة ، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل ديات قتلاهم قصاصًا بعضها من بعض" [2] .
(1) أحكام القرآن 1/270-272.
(2) جامع البيان 3/101.