التوجيه والترجيح:
أجمع العلماء على أنه لا وصية لوارث ، كما حكى ذلك غير واحد من الأئمة ، ومن مستندهم في ذلك الإجماع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث" [1] .
والذي يظهر - في هذه المسألة - أن الأخذ بمسلك الجمع هو الأولى ؛ لأن فيه إعمالًا لجميع الأدلة ، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو بعضها .
والجمع الذي يظهر رجحانه - والله أعلم - هو الوجه الأول من أوجه الجمع ، وهو أن الآية عامة في وجوب الوصية للوالدين والأقربين ، وهذا العموم خصصته آيات المواريث ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"لا وصية لوارث"بالوالدين غير الوارثين ، ومن لا يرث من الأقربين ، ولا تعارض بين عام وخاص ، بل يحمل العام على الخاص.
قال السعدي:"والأحسن في هذا أن يقال: إن الوصية للوالدين والأقربين مجملة ، ردها الله تعالى إلى العرف الجاري ، ثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث بعد أن كان مجملًا ، وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ، ممن حجب بشخص أو وصف ، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء ، وهم أحق الناس ببره ، وهذا القول تتفق عليه الأمة ، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين - يعني النسخ والعموم الذي يراد به الخصوص ـ؛ لأن كلًا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظًا ، واختلف المورد."
فبهذا الجمع يحصل الاتفاق ، والجمع بين الآيات ؛ لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ الذي لم يدل عليه دليل صحيح" [2] ."
(1) انظر: الرسالة للشافعي ص 139، الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز لأبي عبيد ص 232، 234، معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/249، الاستذكار لابن عبد البر 7/263، السنة للمروزي ص 71 ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/498.
(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 85.