ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - منسوخ ، ولكنهم اختلفوا في الناسخ ، فمنهم من قال: إنه منسوخ بقوله تعالى: { فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } [البقرة: 187] [1] ، ومنهم من قال: إنه منسوخ بحديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما ، واستدل بالآية السابقة على النسخ [2] .
قالوا: ويؤيد ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب ، فقال: يا رسول الله ، تدركني الصلاة وأنا جنب ، أفأصوم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم"فقال: لست مثلنا يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال:"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ، وأعلمكم بما أتقي" [3] .
فقد جاء في هذا الحديث ما يشعر أن ذلك متأخر ، فهو بعد الحديبية ، لقول الرجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فهو أشار إلى آية الفتح ، وهي نازلة عام الحديبية ، سنة ست من الهجرة ، وفرض الصيام كان في السنة الثانية من الهجرة [4] .
(1) انظر: المحلى لابن حزم 6/220، معالم السنن للخطابي 2/99، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص 346، تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/521.
(2) انظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي 2/18، الناسخ والمنسوخ في الأحاديث لأبي حامد الرازي ص60 ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/521 ، فتح الباري لابن حجر 4/147، نيل الأوطار للشوكاني 4/292.
(3) سبق تخريجه ص190.
(4) انظر: فتح الباري لابن حجر 4/147.