وأما حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع ، فقد اختلف في رفعه ووقفه كما سبق في تخريجه ، فإن كان موقوفًا على حذيفة - رضي الله عنه - فليس بحجة ، ولا يقاوم ما دلت عليه الآية والأحاديث المرفوعة الصحيحة من أن طلوع الفجر الصادق هو الذي يحرم تناول المفطرات على الصائم.
وإن كان مرفوعًا فقد سلك أهل العلم في توجيهه مسلكي الجمع ، والنسخ ، والترجيح ، وذلك كما يلي:
أولًا: مسلك الجمع بينه وبين الآية وما في معناها من الأحاديث ، وقد اختلفت أنظار أهل العلم في الجمع على وجوه ، منها ما يلي:
الوجه الأول: أن يحمل حديث حذيفة - رضي الله عنه - على أن المراد قرب النهار ؛ لأنهم كانوا يؤخرون سحورهم إلى آخر الليل ، قريبًا من طلوع الفجر الذي هو بداية النهار ، فعبر بقوله:"هو النهار"؛ تشبيهًا لوقت سحورهم بالنهار ؛ لقربه منه.
وقالوا: إن ذلك نظير قوله تعالى: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } [ الطلاق: 2 ] ؛ أي: قاربن انقضاء العدة فإمساك بمعروف أوترك للفراق [1] .
واستدلوا على ذلك بما ورد في إحدى روايات حديث حذيفة - رضي الله عنه - أن زرًا قال له:"أبعد الصبح ؟ قال: نعم ، هو الصبح غير أن لم تطلع الشمس" [2] .
وقالوا: إنه لما استثبت زر من حذيفة هل كان السحور بعد الصبح ؟ لم يجب حذيفة بأن ذلك كان بعد الصبح ، ولكنه قال: هو الصبح ، مما يدل على أن معناه: هو الصبح لقربه منه ، وإن لم يكن هو بعينه ، كما تقول العرب: هذا فلان شبهًا ، وهي تشير إلى غير الذي سمته فتقول: هو هو تشبيهًا منها له به [3] .
(1) انظر: تحفة الأشراف للمزي 3/32 ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/518.
(2) أخرجها أحمد برقم (23361) 38/382.
(3) انظر: جامع البيان لابن جرير 3/260.