التوجيه والترجيح:
يتعين _ في هذه المسألة _ الأخذ بمسلك الجمع ؛ لأن فيه إعمالًا لجميع الأدلة ، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو بعضها ، كما يمكن مناقشة مذهب النسخ كما سيأتي.
والذي يظهر - والله أعلم - أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ على تحريمه ، وأنه لا يجوز ابتداءً ، وأما إذا كان القتال دفاعًا أو امتدادًا لقتال سابقٍ فإن ذلك جائز ، ومتى استحل المشركون القتال في الأشهر الحرم ، وقاتلوا المسلمين فيه جاز للمسلمين قتالهم فيه ، بدليل قوله تعالى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [سورة البقرة آية 194] .
وقد نقل ابن القيم الإجماع على ذلك فقال:"ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو" [1] .
وبهذا تجتمع الأدلة من الكتاب والسنة.
وأما مذهب النسخ فيمكن مناقشته بما يلي:
1-أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع ، والجمع هنا غير متعذر ، وقد سبق بيانه.
2-أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تحقق التعارض ، وفي هذه المسألة لا تنافي بين قوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } [ البقرة: 217] ، وغزو النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحصاره ثقيفًا في الطائف في الشهر الحرام كما تقدم في الجمع بينهما.
(1) زاد المعاد 3/340. وانظر: كشاف القناع للبهوتي 3/37، الموسوعة الفقهية 16/147.