قال ابن تيمية:"والمحيض إما أن يكون اسمًا لمكان الحيض كالمقيل والمبيت، فيختص التحريم بمكان الحيض وهو الفرج، أو هو الحيض وهو الدم نفسه؛ لقوله: {أَذًى} ، أو نفس خروج الدم الذي يعبر عنه بالمصدر، كقوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [الطلاق:4] ، فقوله على هذا التقدير في المحيض، يحتمل مكان الحيض، ويحتمل زمانه وحاله، فإن كان الأول فمكان المحيض هو الفرج، وإن كان المراد فاعتزلوا النساء في زمن المحيض، فهذا الاعتزال يحتمل اعتزالهن مطلقًا، كاعتزال المحرمة والصائمة، ويحتمل اعتزال ما يراد منهن في الغالب، وهو الوطء في الفرج، وهذا هو المراد بالآية" [1] .
دفع موهم التعارض:
سلك أهل العلم في دفع ما قد يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ، وما قد يفهم منه من الأمر باعتزال الحائض مطلقًا، وما تقدم في حديثي ميمونة وعائشة رضي الله عنهما مسلكي الجمع والنسخ، وذلك كما يلي:
أولًا: مسلك الجمع بين الآية والأحاديث: وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وقالوا: إن الآية عامة بالأمر باعتزال الحائض في جميع بدنها مطلقًا، والسنة مخصصة لذلك العموم، بإباحة مباشرة الحائض فيما عدا الفرج، أو ما تحت الإزار، بدلالة حديثي ميمونة وعائشة وأنس - رضي الله عنهم -، ولا تعارض بين عام وخاص، بل يحمل العام على الخاص.
وممن ذهب إلى هذا المناوي [2] ،
(1) شرح العمدة في الفقه 1/ 461.وانظر: المغني لابن قدامة 1/ 415.
(2) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير 5/ 121.
والمناوي هو: العلامة محمد بن عبد الرؤف بن علي الحدادي المناوي القاهري، من كبار العلماء، انزوى للبحث والتصنيف، فصنف فيض القدير وشرح شمائل الترمذي وغيرها، توفي سنة (1031 هـ) .
انظر: الأعلام للزركلي 6/ 204، معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 2/ 143.