قال المازري:"وحملناه - أي الحديث الذي فيه النهي عن التفضيل - على أن ذلك قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ، ثم أوحي إليه بالتفضيل ، فقال به فلم يكن في ذلك من التعارض ما يغْمُض ، ويفتقر إلى التأويل" [1] .
التوجيه والترجيح:
يتعين _ في هذه المسألة _ الأخذ بمسلك الجمع ؛ لأن فيه إعمالًا لجميع الأدلة ، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو بعضها ، ولكون مذهب النسخ بعيدًا جدًا ، كما سيأتي بيانه.
والجمع الذي يظهر رجحانه - والله أعلم - هو أن يقال: إن التفاضل بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ثابت ، واعتقاد ذلك حق لازم ، وفرض جازم ،كما صرح به القرآن ، وجاءت به السنة ، وعليه أجمع العلماء ، كما تقدم.
وأما المفاضلة فيما بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على وجه التعيين - أي تعيين الفاضل والمفضول - فإنه أمر غيبي توقيفي مرده إلى الله سبحانه وتعالى ، فلا بد فيه من دليل ، ولا يجوز التفضيل بمجرد الرأي والتشهي والعصبية.
وأما تفضيل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أو تفضيل أولي العزم من الرسل ، فهو مما قد دل الدليل عليه ، كما تقدم.
قال ابن كثير:"ليس هذا - أي التفضيل بين الأنبياء - إليكم ، بل الله هو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات ، وليس ينال هذا بمجرد الرأي بل بالتوقيف" [2] .
وبهذا تجتمع أدلة الكتاب والسنة ، وهو معنى الوجه الأول من أوجه الجمع.
(1) المعلم بفوائد مسلم 3/ 134. وانظر: إكمال المعلم للقاضي عياض 7/ 359.
(2) البداية والنهاية 2/ 141. وانظر تفسيره 1/ 675.