ويبقون على دينهم ، فلا إكراه حينئذٍ ، ويحمل الأمر بالقتال الوارد في الحديث على قتال من امتنع من الإسلام ، وأبى دفع الجزية .
وإلى هذا الوجه ذهب ابن القيم [1] ، وهو ظاهر كلام ابن عثيمين [2] .
قال ابن القيم:" { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } [البقرة: 256] ، هذا نفي في معنى النهي ؛ أي لا تكرهوا أحدًا على الدين ، نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد قد تهودوا وتنصروا قبل الإسلام ، فلما جاء الإسلام أسلم الآباء ، وأرادوا إكراه الأولاد على الدين ، فنهاهم الله سبحانه عن ذلك حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول في الإسلام ، والصحيح أن الآية على عمومها في حق كل كافر ، وهذا ظاهر على قول من يجوّز أخذ الجزية من جميع الكفار ، فلا يكرهون على الدخول في الدين ، بل إما أن يدخلوا في الدين ، وإما أن يعطوا الجزية ، كما يقوله أهل العراق وأهل المدينة ، وإن استثنى هؤلاء بعض عبدة الأوثان ، ومن تأمل سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - تبين له أنه لم يكره أحدًا على دينه قط" [3] .
ثانيًا: مسلك النسخ:
ذهب ابن عاشور إلى أن الآية ناسخة لحكم القتال على قبول الكافرين الإسلام ، وأبقت القتال على توسيع سلطانه ؛ فهي ناسخة لحديث"أمرت أن أقاتل الناس" [4] .
التوجيه والترجيح:
يتعين _ في هذه المسألة _ الأخذ بمسلك الجمع لأن فيه إعمالًا لجميع الأدلة ، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو بعضها ، ولكون مذهب النسخ بعيدًا جدًا كما سيأتي بيانه ، إن شاء الله تعالى.
(1) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ص14. وانظر: أحكام أهل الذمة ص21 ـ22، زاد المعاد 5/91.
(2) انظر: تفسيره 3/267.
(3) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ص14.
(4) انظر: التحرير والتنوير 3/26-27.