والذي يظهر - والله أعلم - أن كل واحد من الوجهين السابقين في الجمع محتمل ، ويندفع به ما يتوهم من التعارض بين الآية والحديث.
فإن قيل: يشكل على الوجه الثاني - وهو أن الإكراه المنفي في الآية يرتفع بتخيير الكفار بدفع الجزية ، فإن أبوا فإنهم يقاتلون - أمران هما:
1-قوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التوبة:29] ، فيفهم من قوله: { مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } أن غير أهل الكتاب لا تؤخذ منهم الجزية .
ويجاب عن هذا: أن قوله في آية الجزية: { مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } لا مفهوم له ، كما قال السعدي:"لأن هذه الآية نزلت بعد الفراغ من قتال العرب المشركين ، والشروع في قتال أهل الكتاب ونحوهم ، فيكون هذا القيد إخبارًا بالواقع ، لا مفهوم له" [1] .
2-كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذ الجزية من مشركي العرب ، بل قاتلهم .
(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 334.