فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 660

فيجاب عن هذا بأن آية الجزية لم تنزل إلا في السنة التاسعة من الهجرة ؛ حين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغزوة تبوك [1] - أي بعد فتح مكة - وقد أسلم العرب كلهم ، ولم يبق في الجزيرة أحدٌ من عبّاد الأوثان ، فلما نزلت أخذها ممن بقي على كفره من النصارى والمجوس ، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذها من يهود المدينة وخيبر [2] ؛ لأنه صالحهم قبل نزول آية الجزية [3] .

ومما يدل على أن المشركين قد دخلوا في الإسلام عام الفتح أفواجًا ، فلم يبق بأرض العرب مشرك ، كون النبي - صلى الله عليه وسلم - غزا تبوك بعد الفتح ، وكانوا نصارى ، ولو كان بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه ، وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين ، ومن تأمل السير وأيام الإسلام علم أن الأمر كذلك ، فلم تؤخذ منهم الجزية ؛ لعدم من تؤخذ منه ، لا لأنهم ليسوا من أهلها [4] .

ويمكن أن يقال: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل فتح مكة كان يقاتل من يحاربه أو ينقض عهده ، وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ، ولم يكرهه على الدخول في دينه ، حتى أعزه الله بفتح مكة ، وظهر سلطانه ، وبسط نفوذه ، فلذلك لم يكن في مقدوره أن يأخذ الجزية من أحد قبل الفتح ، وهذا على فرض أن لو كانت الجزية مشروعة قبل الفتح.

وأما مذهب النسخ - في هذه المسألة - فلا يصح ؛ لأمور منها:

(1) روى ذلك ابن جرير في تفسيره 11/407 بسنده الصحيح عن مجاهد رحمه الله ، وقال ابن القيم في زاد المعاد 2/102:"قاله غير واحد من السلف"، وانظر: موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور لحكمت بشير 1/442.

(2) خيبر: بلد تقع على بعد (171) كيلو من المدينة على طريق تبوك ، وهي مرتبطة بالمدينة المنورة إداريًا.

انظر: معجم الأمكنة الواردة في صحيح البخاري لابن جنيدل ص 215-221.

(3) انظر: أحكام أهل الذمة 1/24،22، زاد المعاد 3/154، سبل السلام للصنعاني 4/98.

(4) انظر: زاد المعاد 3/ 154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت