الوجه الرابع: يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -:"ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة..."على أن ذلك في زكاة التجارة ، وذلك أن سائلًا سأل عن أقل من خمسة أوسق طعام ، أو تمر للتجارة ، فأخبر أن لا زكاة فيه ؛ لقصور قيمته عن النصاب في ذلك الوقت ، فنقل الراوي كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وترك ذكر السبب ، كما يوجد ذلك في كثير من الأخبار.
وبهذا أجاب الجصاص عن حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - [1] .
والذي يظهر - والله أعلم - أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم من نفي وجود التعارض بين قوله تعالى: { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ... الآية } وحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - هو الأقرب ؛ لأن الآية جاءت لبيان محل الزكاة ، وما تجب فيه ، والحديث جاء لبيان النصاب.
وعلى فرض وجود إيهام تعارض بينهما فالجمع بينهما ممكن ، فالآية عامة في وجوب الزكاة في كل خارج من الأرض سواء أكان قليلًا أم كثيرًا ، وحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - مخصص لذلك العموم ، بأن يكون الخارج من الأرض خمسة أوسق فأكثر ، ولا تعارض بين عام وخاص ، بل يحمل العام على الخاص ، وهذا هو الوجه الأول من أوجه الجمع السابقة.
وأما الوجه الثاني وهو أن الآية مجملة في النصاب ، والحديث مبين لذلك الإجمال فالظاهر أنه لا إجمال في الآية ؛ لأن الآية فيما يتعلق بالنصاب والمقدار الذي إذا بلغه الخارج من الأرض وجبت فيه الزكاة لا تحتاج إلى بيان ، ويمكن العمل بها بإيجاب الزكاة في الخارج من الأرض بأي مقدار كان قليلًا أو كثيرًا ، كما أن الآية جاءت لبيان ما تجب فيه الزكاة ، ولم تتعرض للنصاب كما تقدم ، وغاية ما في الآية أنها عامة خصصت بحديث أبي سعيد - رضي الله عنه - .
وأما الوجهان الثالث والرابع ففيهما تعسف بين ، والله أعلم.
(1) انظر: المصدر السابق .