فهرس الكتاب
كما أن إيهام التعارض بين هذه الآية وقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشاهد واليمين يندفع إذا عرف أن الاستدلال بقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ... } [البقرة:282] على عدم جواز القضاء بالشاهد واليمين؛ من قبيل الاستدلال بمفهوم العدد الذي هو نوع من أنواع مفهوم المخالفة، دون قيد أو شرط، وهذا لا يصح؛ لأن من يستدلون بمفهوم المخالفة ويعتبرونه طريقًا للدلالة على الأحكام - وهم جمهور العلماء - يشترطون له شروطًا منها: أن لا يوجد في المسكوت المراد إعطاؤه حكمًا - هو ضد حكم المنطوق - دليل خاص يدل على حكمه، وفي هذه المسألة وجد دليل خاص يدل بمنطوقه على جواز القضاء بالشاهد واليمين، وهو ما تقدم من حديث ابن عباس - رضي الله عنه -.
قال الشوكاني:"وغاية ما يقال على فرض التعارض - وإن كان فرضًا فاسدًا - إن الآية والحديث المذكورين - يعني حديث"شاهداك أو يمينه"- يدلان بمفهوم العدد على عدم قبول الشاهد واليمين، والحكم بمجردهما، وهذا المفهوم المردود عند أكثر أهل الأصول لا يعارض المنطوق، وهو ما ورد في العمل بشاهد ويمين ... هذا على فرض أن الخصم يعمل بمفهوم العدد، فإن كان لا يعمل به أصلًا فالحجة عليه أوضح وأتم" [1] .
وما دام أن الأمر كذلك - أي أن الزيادة على النص في مثل هذه المسألة ليست نسخا، والعمل بمفهوم العدد يشترط له شروط - فلا يفهم من ظاهر الآية أن الشهود في القضاء بالأموال رجلان أو رجل وامرأتان فقط، وأنه لا يقضى بشاهدٍ واحد ويمين، ولذا لا يكون هناك تعارض بين الآية والحديث من الأصل.
هذا وقد سلك أهل العلم في دفع ما يتوهم من التعارض بين الآية والحديث مسلك الجمع، والنسخ، والترجيح، وذلك كما يلي:
أولًا: مسلك الجمع:
(1) نيل الأوطار 9/ 195.