فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 660

ثالثًا: مسلك الترجيح:

وذلك بتقديم منطوق حديث القضاء بالشاهد واليمين على مفهوم قوله تعالى:

{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ... } [البقرة:282] .

وإلى هذا ذهب الشوكاني وقال:"ونحن قدمنا على ذلك المفهوم - أي مفهوم الآية - منطوق أحاديث الباب" [1] .

التوجيه والترجيح:

يتعين _ في هذه المسألة _ الأخذ بمسلك الجمع؛ لأن فيه إعمالًا لجميع الأدلة، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو بعضها؛ ولكون مذهب النسخ بعيدًا جدًا كما سيأتي بيانه.

والجمع الذي يظهر رجحانه - والله أعلم - هو ما تقدم ذكره في الوجه الأول من أوجه الجمع؛ وهو: أن الآية بينت بعض الطرق التي تحفظ بها الحقوق، وهي الشاهدان والشاهد والمرأتان، والحديث جاء بذكر طريق من طرق الحكم عند الاختلاف والتنازع، وطرق الحكم أوسع من طرق حفظ الحقوق، فالآية في موضوع، والحديث في موضوع آخر.

ويؤيد ذلك قوله في الحديث: (قضى) فإن لفظ القضاء يشعر بأن الشاهد واليمين مما يحكم به الحاكم عند الاختلاف والتخاصم؛ لأن القضاء في اللغة الحكم،كما قال ابن فارس:"القضاء الحكم، قال الله سبحانه في ذكر من قال: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} [طه: 72] ؛ أي اصنع واحكم، ولذلك سمي القاضي قاضيًا؛ لأنه يحكم الأحكام وينفذها" [2] .

وقال ابن منظور [3] :

(1) نيل الأوطار 9/ 195.

(2) مقاييس اللغة، مادة (قضى) .

(3) ابن منظور هو: جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي ابن منظور الأفريقي المصري، ولي القضاء، وكان عارفًا بالنحو واللغة والتاريخ، له لسان العرب ومختصر الأغاني، توفي سنة (711 هـ) .

انظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي 1/ 248، شذرات الذهب لابن العماد 3/ 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت