وقال الجصاص:"ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وعامة السلف في جوازه في الحضر" [1] .
ونقل الرازي إجماع أهل عصره على جواز الرهن في الحضر، فقال:"اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر، سواء في حال وجود الكاتب وعدمه" [2] .
وإذا تمهد هذا - أي جواز الرهن في الحضر - فإنه يندفع إيهام التعارض بين قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} وهذين الحديثين إذا عرف أن الاستدلال بالآية على منع الرهن في الحضر استدلال بمفهوم المخالفة، دون قيد أو شرط، وهذا لا يصح، لأن من يستدلون بمفهوم المخالفة ويعتبرونه طريقًا للدلالة على الأحكام - وهم جمهور العلماء - يشترطون له شروطًا منها:
1 -أن لا يوجد في المسكوت المراد إعطاؤه حكمًا - هو ضد حكم المنطوق - دليل خاص يدل على حكمه، فإن وجد هذا الدليل الخاص فهو طريق الحكم، لا مفهوم المخالفة.
وفي هذه المسألة وجد الدليل الخاص الذي يدل على جواز الرهن في الحضر، وهو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبو العباس القرطبي:"ولا حجة لهم في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ؛ لأنه تمسك بالمفهوم في مقابلة المنظوم، وهو فاسد بما قررناه في الأصول" [3] .
2 -أن لا يكون للقيد الذي قيد به النص، فائدة أخرى غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت؛ وذلك كالترغيب، أو الترهيب، ونحو ذلك، وأن لا يكون ذكر القيد في النص قد خرج مخرج الغالب.
(1) أحكام القرآن 2/ 258.
(2) التفسير الكبير 3/ 101.
(3) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 4/ 518، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي 11/ 40، شرح الأبي على صحيح مسلم 5/ 525.