فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 660

وقيد السفر في الآية خرج مخرج الغالب، قال الشنقيطي بعد ذكره لحديثي عائشة وأنس رضي الله عنهما:"فدل الحديث الصحيح على أن قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} لا مفهوم له؛ لأنه جرى على الأمر الغالب، إذ الغالب أن الكاتب لا يتعذر في الحضر، وإنما يتعذر في السفر، والجري على الغالب من موانع اعتبار مفهوم المخالفة" [1] .

ويمكن أن يقال: إن القيد الذي قيد به النص له فائدة غير إثبات الحكم للمسكوت عنه، وهي أن ذكر السفر في الآية من باب التمثيل للأعذار الداعية لطلب الرهن، كما قال أبو حيان:"وأن الله تعالى ذكر السفر على سبيل التمثيل للأعذار؛ لأنه مظنة فقدان الكاتب وإعواز الإشهاد ... ونبه بالسفر على كل عذر، وقد يتعذر الكاتب في الحضر، كأوقات الاشتغال والليل" [2] .

وما دام أن الأمر كذلك فمفهوم الآية غير معتبر، وليس فيها دلالة على منع الرهن في الحضر، ولذا لا يكون هناك تعارض بين الآية وهذين الحديثين.

هذا وقد سلك ابن حزم مسلك الجمع بين الآية وهذه الأحاديث، وقال:

إن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذًا بظاهر الآية، وتحمل الأحاديث السابقة على جواز الرهن في الحضر دون أن يشترط في العقد، فيكون الرهن في الحضر تطوعًا من الراهن.

واستدل على ذلك بأن حديثي عائشة وأنس رضي الله عنهما ليس فيهما اشتراط الرهن فيكون تطوعًا [3] .

التوجيه والترجيح:

(1) أضواء البيان 1/ 204، وانظر: معالم التنزيل للبغوي ص 182، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 343، التفسير الكبير للرازي 3/ 101، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/ 407، فتح الباري لابن حجر 5/ 140، التحرير والتنوير لابن عاشور 3/ 121.

(2) البحر المحيط 2/ 571، وانظر: المحرر الوجيز لابن عطية 1/ 386، تفسير القرآن الكريم لابن عثيمين 3/ 428.

(3) انظر: المحلى 8/ 87 - 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت