وكان - صلى الله عليه وسلم - رؤوفًا رحيمًا بالمؤمنين، ويدل لذلك قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] ، ولم يكن فظًا غليظًا في معاملته لهم، بل كان سهلًا لينًا، كما قال سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159] ، وكان - صلى الله عليه وسلم - في ذلك كله ممتثلًا أمر الله تعالى له بذلك، في قوله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215] .
أما في جانب الكفار، فقد أمره الله تعالى بالغلظة معهم فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73] .
وإذا تمهد هذا فقد سلك أهل العلم في دفع ما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى:
{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} وبين ما جاء في الحديث المتقدم من قول النسوة اللاتي قلن لعمر - رضي الله عنه:"أنت أفظ وأغلظ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، مسلك الجمع، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:
الوجه الأول: أن الآية الكريمة تنفي وجود الفظاظة والغلظة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كصفة لازمة، أما وجودها في بعض الأحوال، كمع الكفار أو عند انتهاك حرمات الله مثلًا، فغير منفي، وهو المقصود من الفظاظة والغلظة المستفادة من أفعل التفضيل المذكور في الحديث.