مما ينبغي التنبيه عليه قبل الترجيح بين مسالك العلماء في دفع ما يتوهم من التعارض بين مفهوم الآية وبين هذه الأحاديث هو أن إيهام تعارض هذه الآية مع تلك الأحاديث يندفع إذا عرف أن الاستدلال بقوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} على أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنا من الإماء، استدلال بمفهوم الشرط، الذي هو نوع من أنواع مفهوم المخالفة، دون قيد أو شرط، وهذا لا يصح؛ لأن من يستدلون بمفهوم المخالفة ويعتبرونه طريقًا للدلالة على الأحكام - وهم جمهور العلماء - يشترطون له شروطًا منها:
1 -أن لا يوجد في المسكوت المراد إعطاؤه حكمًا - هو ضد حكم المنطوق - دليل خاص يدل على حكمه، فإن وجد هذا الدليل الخاص، فهو طريق الحكم، لا مفهوم المخالفة.
وفي هذه المسألة وجد الدليل الخاص، وهو ما تقدم من الأحاديث التي تدل بمنطوقها على أن الأمة إذا زنت يقام عليها الحد، محصنة أو غير محصنة.
قال الشنقيطي:"فالحديث نص في محل النزاع، ولو كان جلد غير المحصنة أكثر أو أقل من جلد المحصنة لبينه - صلى الله عليه وسلم -" [1] .
2 -أن لا يكون للقيد الذي قيد به النص، فائدة أخرى غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت، فإذا كان ثمت فائدة أخرى فلا اعتبار للمفهوم.
قال ابن قدامة في كلامه على هذه المسألة:"إن دليل الخطاب إنما يكون دليلًا إذا لم يكن للتخصيص بالذكر فائدة سوى اختصاصه بالحكم، ومتى كانت له فائدة أخرى لم يكن دليلًا، مثل أن يخرج مخرج الغالب، أو للتنبيه، أو لمعنى من المعاني" [2] .
(1) أضواء البيان 1/ 257.
(2) المغني 12/ 332.