فالجهمية ردوا أحاديث الرؤية - مع كثرتها وصحتها - لمخالفتها على زعمهم لظاهر قوله تعالى: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } [ الأنعام:103] ، والخوارج ردوا الأحاديث الدالة على الشفاعة لمخالفتها الآيات التي فيها نفي للشفاعة ، والرافضة لم يقبلوا قوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا نورث ما تركنا صدقة" [1] ، ويقولون: إنه يخالف قوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ...الآية } [ النساء:11] ، وغير هؤلاء ممن ابتلي المسلمون فيهم من المستشرقين والمستغربين وأذنابهم الذين كان لهم دور خطير في تبني أفكار تلك الفرق وغيرها ، ونشرها بين المسلمين حتى اغتر بهم بعض جهلة المسلمين الذين ليس لهم دراية واسعة بحقيقة هذه الطعون والشكوك [2] .
كما أن كثيرًا من المسلمين يقفون أمام أمثال هذه القضية حائرين لا يملكون ردها ولا يعرفون لها دحضًا ، بل ربما عرض لهم في أنفسهم بعض الشك والريب.
وما دام أن ما يتوهم من التعارض بين القرآن والسنة أضحى تكأة للطاعنين والملحدين في الماضي والحاضر كان من الأهمية بمكان أن يولى العناية ، وتصرف فيه الجهود من أجل دفع ما قد يتبادر إلى الأذهان من تعارض القرآن مع السنة والتوفيق بين نصوصهما.
(1) سيأتي تخريجه في الموضع رقم ( 36) ص344.
(2) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 143 وما بعدها ، مجموع فتاوى ابن تيمية 13/208، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم ص66، إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 2/ 295- 307، مختصر الصواعق المرسلة للموصلي 4/1618-1634، السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام لعماد الشربيني 1/117.