أجمع العلماء على مشروعية القصر في السفر الآمن [1] ، ومستند ذلك الآية المتقدمة - عند من يرى أنها تدل على مشروعية القصر في السفر كما سيأتي - والسنة المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك ما جاء في الأحاديث الآنفة الذكر.
هذا وقد سلك أهل العلم في دفع ما قد يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] ، وبين الأحاديث المتقدمة التي تدل على جواز القصر في السفر الآمن، مسلكي الجمع والنسخ، وذلك كما يلي:
أولًا: مسلك الجمع بين الآية والأحاديث، وإليه ذهب أكثر أهل العلم، وقد اختلفت أنظارهم في الجمع على وجوه، منها ما يلي:
الوجه الأول: أن المراد بالقصر في هذه الآية قصر الكيفية عند الخوف، فيجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن، وشرط الخوف في الآية معتبر أي: وإن لم تخافوا منهم أن يفتنوكم فلا تقصروا من كيفيتها، بل صلوها على أكمل الهيئات، أما قصر الصلاة في السفر قصر كمية، بنقص عدد ركعات الرباعية إلى اثنتين، فلم تتعرض له الآية، بل دلت عليه السنة كما ثبت في الأحاديث المتقدمة.
وهذا الوجه اختاره ابن جرير [2] ، والجصاص [3] ، وابن عبد البر [4] ، وابن عاشور [5] ، ومال إليه الشنقيطي [6] .
(1) انظر حكاية الإجماع فيما يلي: الإجماع لابن المنذر ص 39، مراتب الإجماع لابن حزم ص 25، الاستذكار لابن عبد البر 2/ 218، معالم التنزيل للبغوي ص 331، المغني لابن قدامة 3/ 105، المجموع للنووي 4/ 322.
(2) انظر: جامع البيان 7/ 422.
(3) انظر: أحكام القرآن 3/ 230.
(4) انظر: التمهيد 11/ 164، الاستذكار 2/ 216.
(5) انظر: التحرير والتنوير 5/ 184.
(6) انظر: أضواء البيان 1/ 270، 271.