الوجه الثاني: أن المراد بالقصر في هذه الآية قصر الكمية، وذلك بقصر الصلاة الرباعية في السفر إلى ركعتين، وشرط الخوف في الآية لا يعارض جواز القصر في السفر الآمن الثابت في السنة المتواترة؛ لأن قوله تعالى في الآية: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} واشتراطه الخوف للقصر خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن غالب أسفارهم في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كانت مخوفة، والشرط إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم مخالفة له.
وهذا الوجه نسبه غير واحد إلى الجمهور [1] ، وذكره الشنقيطي [2] .
ويدل لهذا الوجه أدلة منها ما يلي [3] :
1 -حديث يعلى بن أمية المتقدم، فقد استدل به من قال بهذا الوجه، فقالوا: إن هذا الحديث يدل على أن يعلى بن أمية وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما كانا يعتقدان أن معنى الآية قصر الرباعية في السفر، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر عمر - رضي الله عنه - على فهمه لذلك.
2 -أن لفظ القصر كان مخصوصًا في عرف الصحابة بنقص العدد، ولهذا لما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ركعتين قال له ذو اليدين:"أقصرت الصلاة أم نسيت؟" [4] .
3 -أن (مِنْ) في قوله: {مِنَ الصَّلَاةِ} ، للتبعيض، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة، فتفسير القصر بإسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بتغيير الكيفية.
(1) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 615، التفسير الكبير للرازي 4/ 199، تفسير القرآن العظيم لابن كثير
2/ 394، 395، فتح الباري لابن حجر 2/ 564، محاسن التأويل للقاسمي 3/ 298.
(2) انظر: أضواء البيان 1/ 270.
(3) انظر الأدلة على هذا الوجه في التفسير الكبير للرازي 4/ 200، أضواء البيان للشنقيطي 1/ 270.
(4) أخرجه البخاري في السهو، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو، رقم (1228) 2/ 68، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، رقم (573) 1/ 403.