والذي يظهر - والله أعلم - أن الآية عامة بإيجاب الوضوء على جميع المؤمنين، على الصفة المشروعة، إذا قاموا إلى الصلاة، سواء كانوا محدثين أو غير محدثين، والأحاديث مخصصة لذلك العموم، بإيجاب الوضوء على المحدثين فقط، ولا تعارض بين عام وخاص، بل يحمل العام على الخاص، وتجتمع الأدلة من الكتاب والسنة، وهذا هو الوجه الأول من أوجه الجمع.
وإما أن تكون الآية من العام الذي أريد به خصوص المحدثين، دون غيرهم، ممن يكون على تمام الطهارة، بقرينة دلالة الحال، وهذا هو الوجه الثاني من أوجه الجمع، فسواء قيل إن الآية عامة مخصوصة أو عامة أريد بها الخصوص، فالنتيجة واحدة فيما يتعلق بهذه المسألة من إيجاب الوضوء على المحدث فقط.
وأما الوجه الثالث من أوجه الجمع، وهو أن المراد بالآية: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، فهو داخل في الوجه الثاني؛ لأن النوم من جملة الأحداث التي تنقض الوضوء [1] .
وقصدهم بهذا التأويل أن تعم الآية الأحداث بالذكر، وعلى هذا يكون في الآية تقديم وتأخير تقديره: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء - يعني الملامسة الصغرى - فاغسلوا وجوهكم ... ، فتمت أحكام المحدث حدثًا أصغر، ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} فهذا حكم نوع آخر، ثم قال للنوعين جميعًا: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... } [2] .
وقد أبى أبو حيان هذا الوجه فقال بعد ذكره له:"وهذا التأويل ينزه حمل كتاب الله عليه، وإنما ذكروا ذلك؛ طلبًا لأن يعم الأحداث بالذكر" [3] .
(1) انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب ص 265.
(2) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية 2/ 161، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/ 82.
(3) البحر المحيط 3/ 607.