واحتمله ابن قدامة [1] ، ورجحه القرطبي [2] ، ونسبه ابن عبد البر إلى الجمهور [3] .
الوجه الثاني: أن قراءة الجر في قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} يراد بها مسح الرجلين مع الغسل؛ بمعنى دلكهما باليد، أو ما يقوم مقامها، وقراءة النصب يراد بها غسل الرجلين فقط، فيجب لهاتين القراءتين غسل الرجلين مع دلكهما في الوضوء؛ لأن الرجلين أقرب أعضاء الإنسان إلى ملابسة الأقذار؛ لمباشرتها الأرض، فناسب أن يجمع لها بين الغسل والدلك، ليكون ذلك أبلغ في التطهر والتنظف، وحينئذ يصدق على من فعل ذلك بأنه غاسل ماسح، وبهذا تكون قراءة الجر موافقة لقراءة النصب والأحاديث الصحيحة والصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء.
وإلى هذا ذهب ابن جرير [4] .
الوجه الثالث: أن قراءة الجر في قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} محمولة على الجوار، فجر اللام فيها مبني على مجاورة اللفظ المجرور، وهو قوله: {بِرُءُوسِكُمْ} وذلك لا يعني الموافقة في الحكم، وهو المسح، فهي منصوبة حكمًا معطوفة على قوله عز وجل: {وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} ، وعلى هذا فتكون قراءة الجر دالة على وجوب غسل الرجلين، كما في قراءة النصب والأحاديث الصحيحة.
وإلى هذا ذهب الأخفش [5] ،
(1) انظر: المغني 1/ 188.
(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن 6/ 92.
(3) انظر: التمهيد 24/ 255.
(4) انظر: جامع البيان لابن جرير 8/ 198 - 200، وذكره عنه ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 164، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم 3/ 54، والشنقيطي في أضواء البيان 2/ 12.
(5) انظر: معاني القرآن 1/ 277، وانظر: زاد المسير لابن الجوزي 2/ 301، وذكر هذا الوجه البغوي في معالم التنزيل ص 362، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن 6/ 94، وابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل 1/ 224، وأبو حيان في البحر المحيط 3/ 610، والألوسي في روح المعاني 6/ 75.
والأخفش هو: سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش الأوسط، مولى بني مجاشع بن دارم، من أهل بلخ، سكن البصرة، قرأ النحو على سيبويه، وكان معتزليًا، ومن تصانيفه الأوسط في النحو، ومعاني القرآن، مات سنة (215 هـ) . انظر: بغية الوعاة للسيوطي 1/ 590، طبقات المفسرين للداودي ص 134.