الوجه الرابع: أن قراءة الجر في قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} يراد بها المسح على الرجلين إذا كانتا مستترتين بالخفين ونحوهما، فهذه القراءة تدل على مشروعية المسح على الخفين، وقراءة النصب تدل على غسل الرجلين إذا كانتا مكشوفتين؛ لأن القراءتين بمنزلة آيتين، فيكون لكل قراءة معنى مستقل يناسبها.
وإلى هذا الوجه ذهب الشافعي [1] ، والقرطبي [2] ، والسعدي [3] ، واستحسنه القرطبي المفسر [4] ، ورجحه ابن عثيمين، وقال عنه:"بأنه أصح الأوجه، وأقلها تكلفًا، وهو متمش على القواعد، وعلى ما يعرف من كتاب الله تعالى، حيث تنزل كل قراءة على معنى يناسبها" [5] .
الوجه الخامس: أن قراءة الجر في قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} معطوفة على قوله عز وجل: {بِرُءُوسِكُمْ} ؛ لأن الرجلين من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المنهي عنه، فعطفت على الممسوح المجرور، وليس المقصود الموافقة في الحكم، وأنها تمسح حقيقة، وإنما للتنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، وأنها تغسل غسلًا قريبًا من المسح.
(1) نسبه إليه السمين الحلبي في الدر المصون 2/ 496، وابن كثير في تفسيره 3/ 53، والقسطلاني في إرشاد الساري 1/ 251، وقد نسب هذا الوجه النووي في المجموع 1/ 420 إلى بعض الشافعية.
(2) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 1/ 496. وقد ذكر هذا الوجه ابن عبد البر في التمهيد
24/ 251، والبغوي في معالم التنزيل ص 363، وابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل 1/ 224، وابن حجر في فتح الباري 1/ 218، والألوسي في روح المعاني 6/ 76، والشنقيطي في أضواء البيان 2/ 12.
(3) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 223.
(4) انظر: الجامع لأحكام القرآن 6/ 93.
(5) الشرح الممتع 1/ 176.