لقد نفى بعض أهل العلم وجود تعارض بين قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} وحديث المغيرة - رضي الله عنه -؛ لأن حديث المغيرة واقعة عين وحكاية حال، وحكايات الأحوال لا تحمل على العموم، ولا يحتج بها على الإطلاق [1] ، وعلى هذا فالحديث لا يستدل به على جواز الاكتفاء بمسح بعض الرأس في الوضوء، وتكون الآية فيما يتعلق بهذه المسألة سالمة عن المعارضة، ودليلًا على وجوب تعميم الرأس بالمسح.
هذا وقد سلك أهل العلم في دفع ما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} وحديث المغيرة - رضي الله عنه -، وما قد يفهم منه من جواز الاقتصار على مسح بعض الرأس في الوضوء مسلك الجمع، ولكنهم اختلفوا في الجمع على وجوه منها ما يلي:
الوجه الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث المغيرة اقتصر على مسح بعض الرأس، وهو الناصية فقط؛ لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، بدلًا عنه.
ويدل على ذلك قوله في الحديث:"ومسح بناصيته وعلى العمامة"؛ أي مسح على العمامة تتميمًا لمسح الرأس، فيكون الحديث موافقًا لما تدل عليه الآية من وجوب تعميم الرأس بالمسح، وليس بينهما تعارض.
وبهذا الوجه أجاب ابن العربي [2] ، وابن كثير، ونسبه إلى أصحاب أحمد [3] ، وأشار إليه أبو العباس القرطبي [4] ، وابن تيمية [5] ، كما ذهب إليه ابن باز [6] .
(1) انظر: القبس في شرح موطأ ابن أنس لابن العربي 1/ 94، 95، أحكام القرآن 2/ 64.
(2) انظر: أحكام القرآن 2/ 63.
(3) انظر: تفسير القرآن العظيم 3/ 50.
(4) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 1/ 532.
(5) انظر: الفتاوى 21/ 125.
(6) انظر: تعليقه على فتح الباري لابن حجر (الفتح 1/ 290) .