وقال ابن كثير:"فقال لهم - أي لمن يَستدل بحديث المغيرة على مسح بعض الرأس - أصحاب الإمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية؛ لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، ونحن نقول بذلك، وأنه يقع عن الموقع، كما وردت بذلك أحاديث كثيرة، وأنه كان يمسح على العمامة، وعلى الخفين فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية، أو بعض الرأس، من غير تكميل على العمامة، والله أعلم" [1] .
أما القول بأن ما جاء في حديث المغيرة - رضي الله عنه - واقعة عين فهو تحكم يحتاج إلى دليل، وكذا بقية أوجه الجمع فإنه يمكن مناقشتها بما يبين ضعفها، فالقول بأن المراد بالآية وامسحوا بعض رؤوسكم مبني على أن الباء للتبعيض، والأصل في معانيها الإلصاق، وهو في حقيقته يوجب تعميم الرأس بالمسح، فلِمَ تصرف من الإلصاق إلى التبعيض في الآية، ولم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة، كما أفاده ابن القيم.
وقد أنكر كون الباء في الآية للتبعيض جماعة من أهل العلم كابن العربي [2] ، وابن قدامة [3] ، والمالقي [4] ،
(1) تفسيره 3/ 50.
(2) انظر: أحكام القرآن 2/ 64. القبس في شرح موطأ ابن أنس 1/ 94.
(3) انظر: المغني 1/ 176.
(4) انظر: رصف المباني ص 224.
والمالقي هو: أبو جعفر أحمد بن عبد النور بن أحمد بن راشد المالقي النحوي، كان عالمًا بالنحو، ويشارك في المنطق والعروض وقرض الشعر، من أعظم مؤلفاته رصف المباني في حروف المعاني، مات سنة (702 هـ) . انظر: البلغة في تراجم أئمة اللغة للمباركفوري ص 59، بغية الوعاة للسيوطي 1/ 331.