وقالوا: إن السرقة اسم لغوي مفهوم المعنى، عند أهل اللسان بنفس وروده غير محتاج إلى بيان، ولكن أتى الإجمال في الآية من جهة أن حكم القطع متعلق بمعان لا يقتضيها اللفظ بوضعه اللغوي، وهي الحرز والمقدار، وغيرها من المعاني المعتبرة التي ثبتت في الشرع، وصيرت للسرقة اسمًا شرعيًا، وعلى هذا فلفظ السرقة مجمل في المقدار، الذي إذا سُرق فإنه يجب القطع به، والحديث بين ذلك المقدار بأنه ربع دينار أو قيمته.
وإلى هذا الوجه ذهب الجصاص [1] ، وذكره الماوردي [2] ، وقال الرازي:"إنه قول كثير من المفسرين الأصوليين" [3] .
والذي يظهر من خلال ما تقدم - والله أعلم - أن أوجه الجمع المتقدمة كلها محتملة، فسواء قيل: إن الآية عامة مخصوصة بالسنة، أو عامة أريد بها الخصوص، أو مجملة بينتها السنة، فالنتيجة واحدة فيما يتعلق بهذه المسألة، وهي أنه لا قطع فيما دون نصاب السرقة وهو ربع دينار فصاعدًا.
وبهذا يندفع ما قد يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ... الآية} والأحاديث التي تدل على اشتراط النصاب للقطع في السرقة.
إلا أنه يمكن أن يقال: إنه لا إجمال في الآية؛ لأن الآية فيما يتعلق بالنصاب والمقدار الذي إذا سرقه السارق قطعت يده لا تحتاج إلى بيان، ويمكن العمل بها بقطع يد السارق في سرقة أي مقدار من المال سواء أكان قليلًا أم كثيرًا.
(1) انظر: أحكام القرآن 4/ 62، 63. سبل السلام للصنعاني 4/ 39.
(2) انظر: النكت والعيون 2/ 36.
(3) التفسير الكبير 4/ 352.