وإذا تبين هذا فعلى القول الأول - بأن المراد بالصيد هو مأكول اللحم فقط - فإنه لا تعارض بين الآيتين وهذا الحديث؛ لأن الخمس الفواسق المذكورة في الحديث مما يباح قتلها للمحرم ليست من المأكولات، فلا يتناولها لفظ الصيد في الآيتين، فيكون نهي المحرم في الآيتين عن قتل الصيد المأكول، دون ما عداه، والحديث يدل على إباحة قتل المحرم لهذه الدواب المذكورة فيه، فالآيتان في موضوع والحديث في موضوع آخر.
وعلى القول الثاني - وهو أن المراد بالصيد في الآية عموم الصيد، سواء أكان مأكولًا أم غير مأكول -، فظاهر الآيتين يدل على أنه لا يجوز للمحرم قتل الصيد مطلقًا؛ لأن لفظ (الصيد) في الآية الأولى مفرد معرف بأل الاستغراقية، وفي الآية الثانية معرف بالإضافة، وذلك من صيغ العموم، فيشمل ذلك الصيد، سواء كان مأكولًا أو غير مأكول، والحديث يدل على أنه يجوز للمحرم أن يقتل من الدواب خمس فواسق؛ هي العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة، فيكون بين ظاهر هاتين الآيتين وهذا الحديث ما يوهم التعارض، وهو ما سيأتي دفعه إن شاء الله تعالى [1] .
دفع موهم التعارض:
(1) وقد أشار إلى ما قد يتوهم من التعارض بين الآية والحديث جماعة من أهل العلم منهم الطحاوي في أحكام القرآن الكريم 1/ 54، وفي شرح مشكل الآثار 9/ 110 - 117، والجصاص في أحكام القرآن 4/ 131، وابن العربي في أحكام القرآن 2/ 175، وابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 236، والرازي في التفسير الكبير 4/ 429، وابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل 1/ 243،وأبو حيان في البحر المحيط 4/ 27، والشنقيطي في أضواء البيان 2/ 108.