واستدلوا على ذلك بما جاء عن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - أنه قال: لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال:"أبا ثعلبة ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرةً، وشحًا مطاعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، إن من بعدكم أيامًا الصبر للمتمسك يومئذٍ بمثل الذي أنتم عليه كأجر خمسين عاملًا"، قالوا: يا رسول الله، كأجر خمسين عاملًا منهم؟ قال:"لا كأجر خمسين عاملًا منكم" [1] .
الوجه الثالث: أن تحمل الآية على أن المراد بها بيان أن المكلف يلزمه أمر نفسه، ولا يؤاخذ بذنوب غيره، ولا يضره ضلال من ضل عن دين الله الحق إذا كان مهتديًا، ولم تتعرض الآية لحكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويدل لذلك أمور:
1 -قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} فيها إغراء الإنسان بمصالح نفسه، ويتضمن الإخبار بأنه لا يعاقب بضلال غيره، وليس مقتضى ذلك أن لا ينكر على غيره، وإنما غاية الأمر أن يكون ذلك مسكوتًا عنه، ويؤخذ ويستفاد وجوب الإنكار من أدلة أخرى [2] .
(1) أخرجه أبو داود في الملاحم، باب الأمر والنهي، رقم (4341) 4/ 123، والترمذي في تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، رقم (3058) 5/ 257، وقال:"حسن غريب"، وابن ماجه في الفتن، باب قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} رقم (4014) 2/ 1330.
والحديث حسنه الترمذي كما تخريجه، وصححه ابن حبان في صحيحه 2/ 108، وقال الحاكم في مستدركه 4/ 358:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
(2) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي 2/ 416.