بل يمكن أن يقال: إن قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} يدل على إثبات الرؤية، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية [1] ، ونقله عنه ابن القيم، فقال:"والاستدلال بهذا - أي بهذه الآية - أعجب، فإنه من أدلة النفاة، وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه، وقال لي: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله، إلا وفي الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإن الله سبحانه وتعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال، ولا يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم، إذا لم يتضمن أمرًا وجوديًا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية ... فلو كان المراد بقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ u} أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال؛ لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار، والرب جل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض، فإذًا المعنى أنه يرى، ولا يدرك ولا يحاط به" [2] .
وعلى فرض أن الآية تدل على نفي رؤية الله مطلقًا، والتسليم بوجود تعارض بين قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} والأحاديث التي تدل على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، فإن أهل العلم سلكوا في دفع ذلك التعارض مسلك الجمع، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:
(1) انظر: منهاج السنة 2/ 317 - 320، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز 1/ 214، 215.
(2) حادي الأرواح ص 273.