كما أن حديثي ابن عباس وأبي هريرة جاء فيهما التصريح بالنسيان، ففي حديث ابن عباس قوله:"فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله، ثم ليأكل"، وفي حديث أبي هريرة قال السائل: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟.
وهذا الوجه قال به ابن قدامة [1] ، ورجحه الغزالي [2] .
الوجه الثاني: أن الآية عامة في النهي عن متروك التسمية عمدًا وسهوًا، وهذه الأحاديث مخصصة لذلك العموم، بحل أكل متروك التسمية نسيانًا.
وهذا الوجه احتمله الغزالي [3] .
ولا يخفى ضعف هذين الوجهين؛ لأن مبناهما على صحة هذه الأحاديث، وقد تقدم في الكلام عليها، أنها مابين موقوف، وضعيف، ومرسل، فهي لا تقوى على تخصيص الآية، أو تأويلها وحملها على غير ظاهرها، والله أعلم.
والآخر: صحيح الإسناد: وهو ما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: إن قومًا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"سموا عليه أنتم وكلوا".
قال ابن رشد - بعد أن ذكر خلاف العلماء في حكم التسمية:"وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الكتاب في ذلك للأثر، فأما الكتاب فقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} وأما السنة المعارضة لهذه الآية فما رواه مالك عن هشام عن أبيه - ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها" [4] .
وقد سلك أهل العلم في دفع ما يتوهم من التعارض بين الآية وحديث عائشة رضي الله عنهما مسلكي الجمع والنسخ، وذلك كما يلي:
(1) انظر: المغني لابن قدامة 13/ 290.
(2) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي 2/ 116، فتح الباري لابن حجر 9/ 624، 636.
(3) انظر: المصدرين السابقين.
(4) انظر: بداية المجتهد لابن رشد (الهداية في تخريج البداية 6/ 236) .