فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 660

إن موهم التعارض بين هذه الآية وما جاء في السنة من تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، قديم منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، بدليل ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مات عمر - رضي الله عنه - ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها، فقالت:رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه"، وقالت: حسبكم القرآن: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، قال ابن عباس رضي الله عنهما عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى [1] .

وقد سلك أهل العلم في دفع ما قد يتوهم من التعارض بين الآية وهذه الأحاديث مسلك الجمع، وذلك كما يلي:

أولًا: مسلك الجمع بين الآية والحديث، وإليه ذهب عامة أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في الجمع بينهما على وجوه منها ما يلي:

الوجه الأول: أن يحمل قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} على أنه لا يؤاخذ أحدٌ بذنب غيره في الآخرة، أما في الدنيا والبرزخ فإنه يؤاخذ.

قالوا: يدل على المؤاخذة في الدنيا قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25] ، وحديث زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:"نعم، إذا كثر الخبث" [2] .

ويدل على المؤاخذة في البرزخ ما تقدم في حديث عمر - رضي الله عنه:"إن الميت ليعذب ببكاء الحي".

(1) أخرجه البخاري في الجنائز، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه"، رقم (1288) 2/ 80، ومسلم في الجنائز، رقم (929) 2/ 642.

(2) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، رقم (3346) ومسلم في الفتن وأشراط الساعة، رقم (2880) 4/ 2207.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت