فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 660

قال القاضي عياض:"وقد ردت المبتدعة هذا الحديث، وقالوا: يعارضه قوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، وقد غلطوا في النظر والتأويل، وهذا إنما عوقب بوزره وظلمه أخاه ... لكنه سقطت حسناته لما قوبلت سيئاته ومظالمه، وزادت عليها في الوزر، واستوجب العقوبة بما زاد، وكان ثواب حسناته الساقطة في الوزن للمظلوم؛ ثوابًا على صبره ومحنته به، وفضلًا زاده الله من عنده، وإنما عوقب بما اجترح، وعلى وزره، ولم يظلم، ولا أخذ شيء من عمله، ولا أحبط إلا بحكم الموازنة والمحاسبة، ورجحان السيئات، قال الله تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 103] ، فمعنى أخذ الحسنات، وطرح السيئات، نوع من العقوبات التي أعدها الله للظالمين، وزيادة في ثواب المظلومين الصابرين، لا أنه مؤاخذ بذنب لم يعمله من ذنوب غيره ... هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وعليه يتأول ظاهر الحديث، حتى لا يجد فيه ملحد مطعنًا، ولا له به حجة" [1] .

وبهذا يندفع ما قد يتوهم من التعارض بين الآية وهذا الحديث، ولله الحمد والمنة.

الصورة الخامسة: دفع ما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وما جاء في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهرقل:"فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين" [2] ، وذلك أن يقال:

سلك أهل العلم مسلك الجمع بين قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وهذا الحديث فقالوا:

(1) إكمال المعلم 8/ 50،51.

(2) وقد أشار إلى ما قد يتوهم من التعارض بين الآية وهذا الحديث الكرماني في شرحه لصحيح البخاري 1/ 62، وابن حجر في فتح الباري 1/ 39، والقسطلاني في إرشاد الساري 1/ 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت