إن وزر الآثم لا يتحمله غيره، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، وأما الحديث فقد بين فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لهرقل أن عليه إثمه وإثم الأريسيين؛ لأنه هو المتسبب في ضلالهم، والحيلولة بينهم وبين الإسلام، فهو مؤاخذ بفعله وذنبه من جهة، ومؤاخذ بفعلهم الذي تسبب فيه من جهة أخرى، ولم يؤاخذ بذنوب غيره التي لم يتسبب فيها، فيتعارض ذلك مع قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، وهذا على أن المراد بالأريسيين الضعفاء والأتباع من الفلاحين، والخدم والخول، أو أهل المكس، أو ملوك مملكته الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة ويأمرونهم بها [1] .
ويشهد لذلك قوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل:25] ، وقوله تعالى:
{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] .
قال ابن حجر:"ولا يعارض بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ؛ لأن وزر الآثم لا يتحمله غيره، ولكن الفاعل المتسبب، والمتلبس بالسيئات يتحمل من جهتين جهة فعله، وجهة تسببه" [2] .
وعلى القول بأن المراد بالأريسيين هم أهل المكس، يكون المقصود من قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"فإن عليك إثم الأريسيين"المبالغة في الإثم [3] ؛ أي إن توليت فإن عليك إثمًا كبيرًا مثل إثم صاحب المكس.
(1) انظر: المعلم بفوائد مسلم للمازري 3/ 22، إكمال المعلم للقاضي عياض 6/ 120، شرح الكرماني لصحيح البخاري 1/ 62، فتح الباري 1/ 39، إرشاد الساري للقسطلاني 1/ 80.
(2) فتح الباري 1/ 39.
(3) انظر: المصدر السابق 1/ 39.