تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 133
(مِنْ فَضْلِهِ) الذي لا يغتم فيه بسلبه (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ) أي ويطلبون البشارة من اللّه بشهادة من بقى من اخوانهم في الدنيا (مِنْ خَلْفِهِمْ) فنقصت عليهم لذاتهم إذ لا يخلون عن خوف الآخرة وقد علموا في حق الشهداء (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من عقوبة الآخرة بعد الشهادة (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) بمافاتهم من لذات الدنيا بل
(يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ) عظيمة (مِنَ اللَّهِ) أي من ثوابه (وَفَضْلٍ) من قربه وكيف لا يكون لهم ذلك (وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ) عوام (الْمُؤْمِنِينَ) فكيف يضيع أجر الشهداء وقد اختاروا جناب اللّه على أنفسهم ثم أشار إلى من بالغ في ترجيح جنابه لقوّة إيمانه فقال
(الَّذِينَ اسْتَجابُوا) دعوه اللّه ورسوله إلى الخروج في طلب أبى سفيان وقومه مرجحين (لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) على أنفسهم لأنهم أجابوهما (مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ) إذ قصد العود إليهم لاستئصالهم حين بلغ الروحاء فقال لقومه لا محمد اقتلتم ولا الكواعب أردفتم قتلتموهم حتى إذا لم يبق الا الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فندب أصحابه للخروج في طلبه ارهابا له فخرج معه سبعون رجلا حتى بلغوا حمراء الاسد فمر به معبد الخزاعى وكان يومئذ مشركا فقال يا محمد واللّه لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ثم خرج فلقى أبا سفيان بالروحاء فقال وما وراءك يا معبد فقال محمد قد خرج في أصحابه لطلبكم في جمع لم أر مثلهم يتخرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان متخلفا عنه وندموا على صنيعهم قال ويلك ما تقول قال واللّه ما أراك ترتحل حتى ترى نواصى الخيل قال فو اللّه لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال فانى واللّه أنهاك عن ذلك فألقى اللّه الرعب في قلوبهم فرجعوا (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) نظروا إلى اللّه تعالى لا إلى نسبتهم إلى الشجاعة وقوّة الإيمان (مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا) اعتبار الخلق إليهم (أَجْرٌ عَظِيمٌ) لا ينقص عن أجر الشهداء بل لعله يزيد عليه وهؤلاء هم
(الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ) أي الركب المستقبل لهم (إِنَّ النَّاسَ) أبا سفيان وأصحابه (قَدْ جَمَعُوا) أنفسهم وقصدهم (لَكُمْ) أي لاستئصالكم (فَاخْشَوْهُمْ) ولا تتخلصون منهم الا بالرجوع إلى دينهم (فَزادَهُمْ) قولهم (إِيمانًا) بأن اللّه هو الناصر القاهر المحيى المميت (وَقالُوا حَسْبُنَا) أي كافينا (اللَّهُ) من غير عدة لنا ولا عدد وكيف لا يكفينا وقد وكلناه (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) هو فأرهب اللّه عدوّهم
(فَانْقَلَبُوا) أي رجعوا من حمراء الاسد (بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ) هي الغلبة وكمال الشجاعة وزيادة الإيمان والتصلب في الدين (وَفَضْلٍ) هو ربح تجارتهم في الطريق (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) إذ لم يلقوا عدوّا (وَ) انما كان لهم ذلك لأنهم (اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ) فارضاهم وتفضل عليهم فوق ما استحقوه (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) فلا ينحصر فضله فيما أعطاهم ثم أشار إلى أنه لما كان منشأ هذه الفضائل فلا مانع منه سوى الشيطان فقال
(إِنَّما ذلِكُمُ) القائل ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم هو (الشَّيْطانُ) جاء يخوّفكم وهو انما (يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) من دون اللّه (فَلا تَخافُوهُمْ) وإن رأيتم لهم قوّة وعدة وعددا (وَخافُونِ) أن توافقوا أعدائى فتروا قوّتهم دون قوّتى (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بعظم شأنى وعموم قدرتى ونفاذها دون قدرتهم
(وَلا يَحْزُنْكَ)