تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 407
من النقرس ولا يستضر به أحد (وَالزَّيْتُونِ) الجامع للفوائد فاكهة واداما ودواء وله دهن لطيف كثير المنافع
(وَطُورِ سِينِينَ) الجامع اسرار الوحى الموسوى والطور اسم الجبل الذي ناجى عليه موسى ربه وسينين وسيناء بمعنى الحسن
(وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) الجامع أسرار الوحى المحمدى المأمون فيه عن تلبيس الشيطان فالاولان مثالا جمعية بدن الإنسان أسرار الأجسام والاخيران مثالا جمعية روحه أسرار العالم الأعلى
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) أي جامع لمقوّمات الأشياء روحا وجسما على أحسن الوجوه
(ثُمَّ رَدَدْناهُ) أي جميع افراده من أعلى المراتب التي كانت له لو غلب عقله على سائر قواه (أَسْفَلَ سافِلِينَ) رتبة أنزل من رتبة البهائم
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) فغلبوا عقولهم على خيالاتهم واوهامهم (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فغلبوا عقولهم على شهواتهم وغضبهم فجاهدوا بذلك سائر القوى (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي غير مقطوع بقطع المجاهدة عند استقامة قواهم فلا يزالون يرتفعون أعلى مما كانوا في الرتبة العالية فعلم من هذا ان الدين انما هو تغليب العقل على سائر القوى بعد استنارته بنور الشرع فهذه مقدمة قطعية في تصديق الدين
(فَما) أي فاىّ شيء (يُكَذِّبُكَ بَعْدُ) أي بعد هذه المقدمة (بِالدِّينِ) فإن ادعوا مكذبا لم يعتد به إذ لم يعتبره اللّه في مقابلة العقل المنوّر بنور الشرع وهو الحاكم المطلق
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) * تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وآله أجمعين
سميت به لدلالته على ان اللّه تعالى أعز الإنسان بإنزال القرآن عليه كما أعز العلق بإنزال روح الإنسان وصورته عليه
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بكمالاته في كلامه (الرَّحْمنِ) بخلق الخلق صور أسمائه (الرَّحِيمِ) بخلق الإنسان من علق
(اقْرَأْ) كلام ربك لا بنفسك بل (بِاسْمِ رَبِّكَ) وهو وان كان قديما يمكن جعله مقروأ بتصويره صور الحروف كما انه (الَّذِي خَلَقَ) الأشياء صور أسمائه وهو وان كان عزيزا واحدا فلا يبعد أن يظهره في محل الذلة مع الكثرة كما انه
(خَلَقَ الْإِنْسانَ) عزيزا متكثرا بالاعضاء (مِنْ عَلَقٍ) ماء مهين متحد لا اختلاف فيه
(اقْرَأْ وَ) لا تستبعد أن يوجد فيك ما يناسب صفته فانه لا يبعد من كرمه إذ (رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ) خلقه من علمه (بِالْقَلَمِ) الأعلى الذي هو العقل الأوّل بأنه له اشراق يفيض العلم كالشمس تفيض نورا تظهر به الأشياء ولا يختص ذلك بالسماويات بل
(عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) وتعليم القرآن من جنس تعليم العلم فلا يبعد من كرمه تعليمه ولو قيل لو كان أكرم لم يترك أحدا فقيرا يقال
(كَلَّا) زجر عن اعتقاد كون الفقر عن عدم أكرميته بل من كراهة طغيان الإنسان (إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) على اللّه وعلى خلقه من اجل
(أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) وإن لم يكن له عن اللّه غنى بحال بل
(إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى) في جميع أحواله فانه انما ينتفع بالغنى عن قوّة الاكل والمضغ والهضم والتغذية والامساك والدفع على ان الطاغى يرجع إليه في الآخرة فيسأله عن طغيانه وينتصف منه فإن انكروا كون الغنى سبب الطغيان يقال
(أَرَأَيْتَ) أي اخبرنى هل يكون طاغيا