تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 177
(لَكُمْ) هذه الأمور وان كانت دنيوية كراهة (أَنْ تَضِلُّوا) فيها فكيف يترك بيان الأمور الأخروية التي الضلال فيها أشد (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فلا يبين الا بمقتضى ما أحاط به علمه الكامل فلا يؤخذ في مقابلة بيانه بيان غيره وان زعم انه راسخ تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وآله أجمعين
سميت بها لأن قصتها أعجب ما ذكر فيها لاشتمالها على آيات كثيرة ولطف عظيم على من آمن وعنف شديد على من كفر فهو أعظم دواعى قبول التكاليف المفيدة عقدة المحبة من الاتصال الإيمانى بين اللّه وبين عبيده
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) الجامع بين اللطف والعنف في أحكامه التي كلف عباده بها بمقتضى أسمائه وصفاته (الرَّحْمنِ) بجعلها مناط مصالح العباد في معاشهم ومعادهم (الرَّحِيمِ) بجعلها عاقدة محبة من اتصال إيمانى بينه وبينهم
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مقتضى إيمانكم الذي هو الاتصال المعنوى لكم باللّه تقويته باحكامه التي تقويه تقوية العقود الحسية للاتصال الحسى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أي كملوا القيام بالاحكام التي تقوى الاتصال الإيمانى بالانقياد لها سيما لما لا يعقل الجمهور معناها كتحليل الانعام بذبحها (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ) أي ما لا يعقل من الحيوان فأشار إلى سر تحليلها بأن نفوسها لما أبهم عليها عواقب الأمور فتبديلها بالنفوس الإنسانية انعام عليها (إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) تحريمه أو اعتبار قول من يحرمه أي الرسول عليه السّلام وانما أحل لكم غير المستثنى مطلقا حال كونكم (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) أي غير صائدين أو ذابحين للصيد أو دالين عليه أو من يصاد له فكل ذلك تحليل للصيد (وَ) انما استثنى هذا من غير المستثنى للكل إذ (أَنْتُمْ حُرُمٌ) وانما يتم انقيادكم إذا انقدتم لها من غير تعقل المعنى فقلتم (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ) وإن كان لا يريد شيأ الا وفيه الحكمة البالغة كما يأتى في مواضع الاستثناء
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لما اقتضى إيمانكم تحريم الصيد عليكم لقصدكم شعائر اللّه فاقتضاؤه تحريم قتل الناس فيها بطريق الاولى (لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ) أي الاماكن التي هي أعلام النسك فلا تقتلوا فيها (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ) لأنه من الأزمنة كالشعائر من الامكنة (وَ) كيف تستحلون هتك حرمة الشعائر مع انه حرم هتك حرمة الهدى إليها بل حرمة ما ظن كونه هديا إليها (لا) تحلوا (الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ) أي التي قلدت بها النعل أو لحاء الشجر ليعلم كونها هديا (وَ) كيف تستحلون القتل فيها وقد حرم قتل من قصدها ولم يصل إليها (لا) تحلوا قتل (آمِّينَ) أي قاصدين (الْبَيْتَ الْحَرامَ) للزيارة وان لم يكن فيها هتك حرمته ولكن لكونهم (يَبْتَغُونَ فَضْلًا) أي ثوابا (مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا) فحقكم ان تعينوهم لا ان تقتلوهم (وَ) انما قلنا ان تحريم الصيد لحرمة البيت لأنه أبيح لكم بعد الاحرام (إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَ) لا يرتفع تحريم قتلهم لكونهم أهل الحرب لكم (لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ) أي لا يحملنكم على الجريمة شدة عداوة (قَوْمٍ) وإن كانت ناشئة من (أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) على (أَنْ تَعْتَدُوا)