تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 388
لأنه سؤال استبعاد وهم لا يستبعدونها كما لا يستبعدها من يراها حين وجودها ويتحقق له قربها
(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها) يعتقدون في قربها انهم (لَمْ يَلْبَثُوا) في الدنيا والبرزخ (إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها) أي ضحى يومها* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وآله أجمعين
سميت به ليصير عتابه عز وجل على من اعرض عن أدنى المسترشدين حالا بشغله بمن أحسنهم حالا علما بسورة من كتابه دلالة على عظيم عنايته بالمسترشدين
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بكمالاته للمسترشدين (الرَّحْمنِ) بعتابه على من أعرض عنهم ليصرفوا عنان همتهم إلى ارشادهم (الرَّحِيمِ) بتقديم من كان أدنى حالا منهم على من كان أحسن حالا من غيرهم روى أنه أتى ابن أم مكتوم رضى اللّه عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يدعو صناديد قريش إلى الإسلام فقال يا رسول اللّه أقرئنى وعلمنى مما علمك اللّه وكرر النداء فظهرت الكراهة في وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقطعه كلامه وقال في نفسه هؤلاء يزعمون أن أتباعه العميان والعبيد والسفلة وأعرض عنه فأنزل اللّه تعالى
(عَبَسَ) أي كلح وقطب وجهه (وَ) لم يقتصر عليه بل (تَوَلَّى) أعرض أيضا لا لاجل قصد إسلام الصناديد وأتباعهم إذ لا عبرة له مع عدم إسلامهم بل لاجل
(أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) مع انه بعث رحمة للعالمين وهداية لهم وأولى الناس بالرحمة الضعفاء سيما العصيان وبالهداية المسترشدون ولم يخاطبه أوّلا لغيبته عن أمر الحق وان كان في دعوة عباده إليه على انه لما غاب عن مطلب من أراد الحضور مع الحق جعل في حكم الغائب عنه ثم خاطبه ثانيا كمن يشكو إلى الناس من جنى عليه حتى إذا حمى في الشكاية أقبل عليه يخاطبه وهنا لم يكن من يشكو عنه عنده فشكى عنه عنده ثم هذه الكراهة أولى أن تكون في حق من عمى قلبه
(وَما يُدْرِيكَ) أنه عمى قلبه فإن كان في الحال (لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) فيصير قلبه مرآة تنتقش فيه الغائبات فيدرك ما لا يدركه بصراء العين الظاهرة
(أَوْ) لا يتزكى فلعله (يَذَّكَّرُ) تذكرا لا يشوبه وهم وخيال (فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى) بجر المنافع ودفع المضار الحقيقية خيرا مما يجره ويدفعه بصراء الظاهر وان رخص في الاعراض عنه فلاجل ارشاد مسترشدين أخر
(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى) عن ارشادك بل عن اللّه وثوابه
(فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أي تتعرض لارشاده معرضا عن المسترشد
(وَما عَلَيْكَ) شيء من البأس في (أَلَّا يَزَّكَّى) هو ولا أتباعه فإن أفادك الحرص على إيمانهم فلا يكون مثل ما يفيدك ارشاد المسترشدين لكن كأنك رأيت الفائدة الكلية في الحرص على ارشاد المستغنى
(وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى) في طلب الارشاد
(وَهُوَ يَخْشى) فواته
(فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أي تتشاغل كأنك لا تبالى لفائدة ارشاده
(كَلَّا) زجر بعد العتاب أن تعود إلى مثله (إِنَّها) أي دعوتك (تَذْكِرَةٌ) للّه وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وجزائه اختيارا لا يشوبه الجاء كما يشعر به الحاحك للمستغنى
(فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) أي اللّه ذكرا يثبت
(فِي صُحُفٍ) للملائكة (مُكَرَّمَةٍ) يكون المذكور فيها اكرم من كرام قريش استغنوا كيف وقد اتصفت