تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 207
(ما يَكُونُ لِي) أي ما يتصوّر منى بعد إذ بعثتنى لهداية الخلق (أَنْ أَقُولَ) في حق نفسى (ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) أي ما استقر في قلوب العقلاء عدم استحقاقى له مما يضلهم (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) أي قبل أن أقول فكيف أرسلت للهداية من علمته مضلا لانك (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي) أي حقيقتى (وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) حتى ما يتعلق بنفسى من علمك بخفاياها (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) فتعلم ما غاب عنى من صفات نفسى وضمائرها لكن لو كانت فيّ ما كنت مرسلى فدل ارسالك على أنى
(ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ) أقول لهم (اعْبُدُوا اللَّهَ) لا متقيدا باعتبار ظهوره في مظهرى بل باعتبار كونه (رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَ) لا يتوجه علىّ ما أحدثوا بعدى لانى انما (كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ) يتأتى لى نهيهم عما أشاهد فيهم بما لا ينبغى (فَلَمَّا) رفعتنى فصرت كأنك (تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ) أي الناظر (عَلَيْهِمْ وَ) كذا قبل ذلك إذ(أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ)بما شهدت فيهم من اتخاذهم اياى وأمى الهين (فَإِنَّهُمْ) وإن خرجوا عن خالص عبوديتك بالشرك (عِبادُكَ) فلك ان تتصرف فيهم بما شئت ولو لم يفعلو إذ لك أيضا ولا يمنعك من اتخذوه شريكا من ذلك (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) فليس من عجزك ولا من سفهك بل من عزتك أن لا تبالى بمعاصيهم ومن حكمتك أن لا تعاقب من توسل اليك بعبادة الغير أو عبدك بمظهرك (ف) في كل حال (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فالعزة والحكمة كما يقتضيان العذاب باعتبار كذلك رفعه باعتبار آخر فلذلك لم يعتبر في التعذيب بل إنما اعتبرت العبودية
(قالَ اللَّهُ) الغفران وان لم يبطل عزتى ولا حكمتى لكن سبق وعدى بأنه (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) فلو فعلت بالكاذبين مثله لم يظهر نفع صدقهم وذلك النفع أنه يكون (لَهُمْ جَنَّاتٌ) من غرس صدقهم (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) كما جرى لهم من صدقهم أنهار المعارف والأعمال الصالحة ولا يختص لهم ذلك بيوم دون يوم بل يكونون (خالِدِينَ فِيها أَبَدًا) لأنهم (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) لصدقهم (وَرَضُوا عَنْهُ) تحقيقا لصدقهم فلم يسخطوا لقضائه في الدنيا وكيف يسقط التعذيب عن غيرهم وهو موجب لدخول تلك الجنات مع ان (ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الذي لا يناله أهل التكذيب سيما إذا كانوا سعاة بالفساد بل مقتضى قواعد الملك الانتقام منهم والانعام على أهل الصدق
(لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَ) لا يبعد منه ادامتهما على أهل الرضا الكلى والسخط الكلى إذ (هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) * تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين
سميت بها لأن أكثر أحكامها وجهالات المشركين فيها وفى التقرب بها إلى اصنامهم مذكورة فيها وقد اشتملت على أكثر جهالاتهم ويتم ظهورها بها
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) الجامع للكمالات المستوجبة للمحامد من الذاتية والوصفية والفعلية (الرَّحْمنِ) بايجاد السموات والأرض