تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 368
بالوجود وهو عام لا يوجب للبعض أن يكون معبودا للبعض الآخر (وَلا تَذَرُنَّ) على الخصوص صور رجال صالحين تم لهم التجلى الالهى وصورهم في حكمهم فلا تذرن (وَدًّا) فانه مظهر محبته الذاتية التي هي مبدأ ظهوره في العالم (وَلا سُواعًا) فانه مظهر ثباته لأنه بمعنى السكون (وَلا يَغُوثَ) فانه مظهر غوثه للمضطرين (وَيَعُوقَ) فانه مظهر منعه (وَنَسْرًا) فانه مظهر قوته ولما تقاربتا في المظهرية كانتا في معنى الواحد فلم تكرر لا فيما بينهما ولمزيد الاهتمام بالاول كرر لا تذرن فيه
(وَ) يدل على مكرهم في ذلك ان عبادتها لو كانت عبادة اللّه لكانت موصلة لهم إليه مفيدة للهداية لكنهم (قَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا) من العأبدين عن اللّه إذ شغلتهم بانفسهم (وَ) إذا لم تقع عبادتها اللّه فهم ظالمون بوضع ما يختص باللّه باعتبار ذاته بمظاهره الجزئية (لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا) إذ لو افادت أحدهم هداية لكانت داعية للكل إلى عبادتها وترك عبادة اللّه باعتبار ذاته ولما ذكر نوح عليه السّلام عصيانهم بعد دعوته البليغة اشار عز وجل إلى ان عصيانهم كان مغرقهم في بحر المخالفة لذلك
(مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ) أي من أجل بعض خطيآتهم التي لا يبالون لها وهي مغرقة لهم في بحر المخالفة (أُغْرِقُوا) في بحر الطوفان للمعاقبة الدنيوية (فَأُدْخِلُوا نارًا) للمعاقبة البرزخية (فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ) أي آلهتهم التي عبدوها (مِنْ دُونِ اللَّهِ) فلم تقع عبادتهم للّه (أَنْصارًا) ولو وقعت عبادتهم للّه لكانوا انصاره بالشفاعة عنده وكيف يكونون انصاره
(وَ) قد (قالَ نُوحٌ) الذي هو أكمل المظاهر (رَبِّ) يا من ربانى بكمال المظهرية ولم اصر بها إلها فمن اتخذ من دونى من المظاهر إلها فهو كافر بك وهو اعظم ظلما من نقل عبادتك إلى غيره (لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا) يسكن دارا وكيف تتركهم مع انه مبطل لحكمة ايجادك العالم
(إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ) عن عبادتك بعبادة من دونك ما بقوا (وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا) أي مظهرا للباطل (كَفَّارًا) ستارا للحق ولما دعا على الكفرة بالمؤاخذة الكلية خاف على نفسه ان يؤاخذ بترك الاولى وعلى المؤمنين ان يؤاخذوا بالمعاصى الفرعية فقال
(رَبِّ اغْفِرْ لِي) ما يكون معاصى بالنسبة إلى ما هو ترك الاولى (وَ) اغفر (لِوالِدَيَّ) معاصيهما وهما لك بن متوشلخ وشمخا بنت انوش وكانا مؤمنين فدعا لهما ليكمل بره بهما (وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ) أي سفينتى (مُؤْمِنًا) لئلا يغرقها اللّه بمعصية احدهم (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) إلى يوم القيامة كيلا تؤثر معاصيهم في المستقبل في اغراقهم بآبائهم (وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ) بعد اغراقهم وادخالهم النار (إِلَّا تَبارًا) أي هلاكا بزيادة العذاب لأنه لو لم تزد عليهم لاعتادوا بما يألفونه فلا يجدونه عذابا وكان ذلك في معنى المغفرة لهم فيشاركون المؤمنين في نوع من المغفرة* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وآله أجمعين
سميت بها لاشتمالها على تفاصيل أقوالهم في تحسين الإيمان وتقبيح الكفر مع كون أقوالهم أشد تاثيرا في قلوب العامة لتعظيمهم اياهم
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بكمالاته في وحيه (الرَّحْمنِ) باسماعه الجن والانس (الرَّحِيمِ) باطلاع من اطلع منهم على محاسن الإيمان وقبائح الكفر وعلى عجائب