تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 191
عليه جمع الاجزاء بعد تفرقها إذ لا مانع منه سوى الجهل (هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) ولا يمتنع عليه اعادة المزاج الذي به تعلق الروح بعد انعدامه بالكلية إذ هو
(الَّذِي) يبدل مزاج الشجر بمزاج النار إذ (جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ) البارد الرطب (نارًا) حارة يابسة لا في مجرد التأثير كالادوية بل في الظاهر أيضا (فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَ) تنكرون قدرته على بعثهم
(وَ) تعتقدون انه (لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) فقدر على هذه الاجرام الكبار مع ما فيها من العجائب الفائتة للحصر (بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) ثانيا بعد ما خلقهم أوّلا (بَلى) هو القادر (وَهُوَ الْخَلَّاقُ) مرة بعد أخرى بحسب مقتضى علمه الكامل إذ هو (الْعَلِيمُ) فلا يعيد الأشياء مرارا كثيرة لئلا يلجئ إلى الإيمان وليس ذلك لصعوبة أمر الاعادة عليه وكيف يصعب عليه مع انه بمجرد أمره
(إِنَّما أَمْرُهُ) أي شأنه (إِذا أَرادَ شَيْئًا) أي إذا تعلقت ارادته بايجاد شيء (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ) أي ان يتعلق به كلامه الازلى من جهة تكوينه (فَيَكُونُ) أي فيوجد عن أمره
(فَسُبْحانَ) أي تنزه عن العجز تنزها تاما (الَّذِي بِيَدِهِ) أي في سلطنته (مَلَكُوتُ) أي حقيقة (كُلِّ شَيْءٍ) لا يمكنها مخالفة أمره (وَ) لا يخرج عن يده شيء بايجاد ولا باعدام بل (إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) في الايجاد إلى اسمه الظاهر وفى الاعدام إلى اسمه الباطن* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين
سميت بها لاشتمال الآية التي هي فيها على صفات للملائكة تنفى الهية الملائكة من الجهات الموهمة لها فيهم فينتفى بذلك الهية ما دونهم فيدل على توحيد اللّه وهو من أعظم مقاصد القرآن
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بالتجلى الشهودى بكمالاته لملائكته حتى صفوا له بعبادته صفا (الرَّحْمنِ) بجعله بعضها زاجرات للاجرام العلوية والسفلية تكميلا للمواد بإخراج ما فيها بالقوة إلى الفعل (الرَّحِيمِ) بجعله بعضها تاليات لذكره تكميلا للإنسان بما يفيد قربه من حضرته
(وَالصَّافَّاتِ) أي الملائكة الصافات في عبادة اللّه (صَفًّا) يراعون فيه آداب حضرته رعاية العبيد حضرة الملوك
(فَالزَّاجِراتِ) أي الملائكة التي تزجر الاجرام العلوية والسفلية (زَجْرًا) تحركها بالتدبير المأمور فيها
(فَالتَّالِياتِ) أي الملائكة التي تنزل على الانبياء فتتلو عليهم من اللّه (ذِكْرًا) انها ليست بآلهة لأنها اما من جهة القرب وهي جهة الاصطفاف الدال على كمال العبودية أو من جهة التأثير وهي جهة الزجر الذي كثيرا ما يكون لمن لا يعظم أو من جهة الارشاد وهي جهة الرسالة فاقسم بالملائكة باعتبار هذه الصفات الدالة على عدم صلوحها للالهية وعلى توحيد اللّه تعالى
(إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ) فهو
(رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وإن كانتا مساكن هؤلاء (وَما بَيْنَهُما) وإن كان محل تصرف هؤلاء الملائكة لأنه إذا لم يكن لهم محل التصرف الأوّل فمحل التصرف بالواسطة أولى أن لا يكون لهم (وَرَبُّ الْمَشارِقِ) فلا ير بها الكواكب لأن أولى الاوقات بربوبيتها وقت لبثها وهو زمن لطيف والالهية يجب