تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 165
اذا تضاعف بالاضلال فبإيذاء الهادى أولى
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مقتضى إيمانكم كف الاذى عن المؤمنين سيما الهادين سيما الانبياء (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى) وهم قارون وقومه إذ رموه بالزنا بامرأة مومسة استأجروها لتقذفه بنفسها (فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا) بإقرارها انهم استأجروها لهذا القذف فخسف اللّه بهم الأرض وكيف لا يتضاعف عذابهم بايذائه (وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) وإيذاء الوجيه عند الملك موجب لشدة غضبه وقهره
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مقتضى إيمانكم تقوى اللّه عن كل معصية فضلا عن إيذاء خلقه (اتَّقُوا اللَّهَ) أن تعصوه ادنى معصية (وَ) ان لم تخافوا منها تضعيف الشدة (قُولُوا) لاتمام التقوى (قَوْلًا سَدِيدًا) لا ينكر بوجه لكمال صدقه فلا يكون فيه إيذاء أحد ولا فساد آخر فانه يفيد تنوير الباطن والظاهر
(يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ) بتنويرها (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) التي يخاف منها الآفات في كل شيء سيما الأعمال (وَ) اصلاح الأعمال يفيد السعادة الأبدية والعلوم الشريفة والكرامات العظيمة والأحوال الجميلة والمقامات الحميدة فإن (مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا) وانما يحصل ذلك يحفظ الامانة وأدائها إلى ربها على الوجه المطلوب
(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ) التي هي العقل والقوى والاعضاء (عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ) ليستعملنها على وفق الحكمة فيكتسبن الكمالات (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها) لثقلها (وَأَشْفَقْنَ مِنْها) لما في تضييعها من التنزل إلى غاية النقص والعذاب (وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ) أي آدم (إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا) بحمل اثقالها على نفسه (جَهُولًا) لما في تضييعها من الآفات ثم ان أداها ظلم نفسه بمنع لذاتها فإن فنى جهل نفسه والا جهل هذه الحالة الشريفة وان لم يؤدها ظلم نفسه بمنع خروج كمالاتها إلى الفعل في الدنيا والى البعد والعذاب في الآخرة وان جهلها واعتقدان الكمالات الحقيقية هي اللذات العاجلة وظلم بتغليب الشهوية والغضبية على العقل وجهل التقصى عن ذلك فهو انما حملها
(لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ) بتضييع العقلية في الباطن (وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ) في الظاهر مع تضييع القوى والاعضاء (وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) إذا ضيعوا امانة القوى والجوارح لحفظهم امانة العقل (وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا) لما ضيعوه (رَحِيمًا) بجعل ما ضيعوه في حكم ما حفظوه* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين
سميت بها لتضمن قصتها آية تدل على نعيم الجنة في السعة وعدم الكلفة والخلو عن الآفة وتبدلها بالنقم لمن كفر بالمنعم وهذا من أعظم مقاصد القرآن
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بكمالاته في مظاهر ما في سمواته وأرضه (الرَّحْمنِ) بجعلها مظاهر حمده الدنيوى (الرَّحِيمِ) بجعلها وسائل مظاهر حمده الأخروى
(الْحَمْدُ) الجامع للمحامد (لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) مظاهر حمده الدنيوى (وَ) قد قصد بها التوسل إلى مظاهره الكاملة في الآخرة إذ (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَ) كيف لا يكون كذلك (هُوَ الْحَكِيمُ) والحكيم لا يفنى مظاهر كماله الا ليتوسل به إلى