تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 166
اكمل منه ووجه التوسل وان خفى علينا لا يخفى عليه لأنه (الْخَبِيرُ) وذلك لأنه يعلم ما يلج من آثار الموجودات في الإنسان وما يخرج منه من الأعمال والأخلاق وما ينزل عليه من العلوم والكرامات وما يعرج منه من الأحوال والمقامات كما انه
(يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ) من البذور والماء والريح وحرارة الشمس (وَما يَخْرُجُ مِنْها) من النبات والحبوب والثمرات (وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ) من المطر والبرد والثلج (وَما يَعْرُجُ فِيها) من الابخرة والادخنة ليكون البرق والصواعق والسحاب والشهب (وَ) لا يبعدان يرحم ببعض المظاهر التي يتوسل بها إلى مظاهره الكاملة ويسترها إلى مدة إذ (هُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ وَ) لرحمة الحق بهذه المظاهر وستره تلك المظاهر
(قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا كمال ظهوره إذ حصروه في هذه المظاهر القاصرة (لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) التي فيها ظهور الحق بالمظاهر الكاملة لحصول ذلك قبلها (قُلْ) أيها المطلع على كمالاته (بَلى وَرَبِّي) الذي ظهوره في أكمل من ظهوره فيكم ومع ذلك حجابه باق عليكم (لَتَأْتِيَنَّكُمْ) ليخرج ما في هذه المظاهر من وجوه التوسل إلى تلك المظاهر الكاملة لخفائها فلا يطلع عليها الا (عالِمِ الْغَيْبِ) فهذا بيان سببها ولا يمنع منها جهل بأفعال الخلق التي عليها الجزاء ولا نسيان لامتناعهما على عالم الغيب (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) أجسامها وأرواحها واعراضها ومعانيها (وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ) لأنه لا شيء منها (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) هو لوح القدر لحصولها عن تقديره ولا يمنع منه كونه انعاما على انعام في حق المحسن أو اضرار بالمنعم عليه ولا يليق بالكرم الالهى لأن الأوّل انما كان
(لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فاحتملوا فيها المشقة الناجزة بما يفيدهم الراحة العظيمة إذ (أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) خال عن المشقة
(وَ) الثاني انما كان لمبالغتهم في الكفر بالمنعم لأنهم (الَّذِينَ سَعَوْا فِي) إبطال (آياتِنا) الدالة علينا الداعية إلى شكرنا (مُعاجِزِينَ) أي قاصدين إعجازنا عن إقامة الدليل على وجودنا أو انعامنا أو جزائنا (أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ) أي غضب عظيم منا على إنكارنا وإنكار نعمنا ورد آياتنا وقصد تعجيزنا (أَلِيمٌ) أي مؤلم بحسب ذلك الغضب وان زعموا انا انما نكون ساعين في آيات اللّه لو كانت هذه آيات لكنها ليست بآيات يقال انما لا ترونها آيات لخلوكم عن العلم
(وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) الكتاب المعجز (الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أيها الكامل (مِنْ رَبِّكَ) الذي هو أكمل الاسماء الالهية (هُوَ الْحَقَّ) المطابق للعلوم والدلائل العقلية والكشفية (وَيَهْدِي) في مواضع الاختلاف (إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ) أي الغالب بالحجة (الْحَمِيدِ) باستعمال المقدمات القطعية الواضحة
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) الكامل لا بد وأن يكون أشهر الخلق بالكمال وهذا بحيث يقال فيه (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ) مجهول لا يعرف ونكرة لا يتعرف وكيف يكون المنزل عليه هو الحق وهو أشبه شيء بالمحال لأنه (يُنَبِّئُكُمْ) مما نبئ في زعمه انكم تعادون (إِذا مُزِّقْتُمْ) أي فرقت أجزاؤكم فصارت (كُلَّ مُمَزَّقٍ) أي في كل جزء مطرح ولو صح ذلك فلا اعادة بل (إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) بخلق الامثال
(أَفْتَرى) أي اخترع عن تعمد (عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) بانه يوحى إليه مثل هذه الأمور التي هي أشبه شيء بالمحال فلا يخاف عذابه الذي يوعد به