تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 28
سميت بهم لاشتمالها على فضائل جليلة لجماعة منهم
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بجلاله الموجب حجاب الغفلة وجماله الموجب اتيان الذكر المحدث (الرَّحْمنِ) بوضع الحساب (الرَّحِيمِ) بإنزال الذكر
(اقْتَرَبَ) من تقريب الأعمال (لِلنَّاسِ) الذين نسوا حساب الأعمال (حِسابُهُمْ) السيئ (وَ) لا يتذكرون ما نسوا إذ (هُمْ) غرقى (فِي) بحر (غَفْلَةٍ) لا يريدون الخروج لأنهم (مُعْرِضُونَ) عن دواعيه وهي الذكر فانه
(ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ) به شرف الإعجاز وجميع الفوائد لكونه (مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) عندهم ليجدد لهم التذكر (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ) ايهاما لتذكرهم (وَ) لكن لم يتذكروا به إذ (هُمْ يَلْعَبُونَ) وانما لعبوا مع كثرة زواجره لكونهم
(لاهِيَةً) أي ذأهلة (قُلُوبُهُمْ) عن التفكر المقضى إلى التذكر (وَ) لكن يتفكرون في دفع الرسالة والإعجاز إذ (أَسَرُّوا) أي بالغو في اخفاء (النَّجْوَى) بالقاء الشبه ليفاجؤا بها الضعفاء تحقيقا لعجزهم عن التفصى عن شبهاتهم مع علمهم ببطلانها لأنهم (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أنفسهم وضعفاءهم بالقائها إذ يقولون (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) وارسال احد المثلين دون الآخر ترجيح بلا مرجح وهو محال فليست معجزاته غير السحر (أَ) تتوهمون الإعجاز (فَتَأْتُونَ السِّحْرَ) منقادين له عن الالتباس (وَأَنْتُمْ) يمكنكم التمييز بينهما بان المعجز هو الذي بلغ إلى حد الالجاء وما لم يبلغ فهو من السحر وهذا ظاهر كانكم(تُبْصِرُونَ
قالَ)للمبالغين في اخفاء هذه الشبهة ليفاجؤا بها الضعفاء لا يمكنكم المفاجاة بها إذ (رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ) أي كل ما يقال (فِي السَّماءِ) العالم العلوى (وَالْأَرْضِ) السفلى وكيف لا يعلمه (وَهُوَ السَّمِيعُ) ويعلم ما فيه وما يترتب عليه لأنه (الْعَلِيمُ) فلا يبعد ان تظهر هذه الشبهة على من تخفونها عنهم مع حلها قبل مفاجاتكم فيبين لهم انكم انما قلتم بسحريته لغاية حسنه فلا يقولون به
(بَلْ قالُوا) انه في غاية القبح لأنه (أَضْغاثُ أَحْلامٍ) أي اختلاطات عقول فيقال انه كلام متين لا يشبه كلام المجانين فلا يقولون به (بَلْ) قالوا (افْتَراهُ) فيقال لم يجرب عليه الكذب فلا يقولون به (بَلْ) قالوا (هُوَ شاعِرٌ) فيقال ليس كلامه كلام الشعراء فيقولون كيفما كان فليس بمعجز (فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ) من آيات الاولين ليكون بها رسولا (كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) فيقال انما أوتى آية غير آياتهم لأنه
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ) أرسل إليها أولئك الرسل بتلك الآيات حتى (أَهْلَكْناها) وهؤلاء لم يؤمنوا لاعظم منها (أَ) تنزل لإيمانهم احدى تلك الآيات مع دنوها (فَهُمْ يُؤْمِنُونَ) كيف يؤمنون مع بقاء شبهتهم استحالة ارسال البشر وان كان له آية ملجئة من إهلاك المكذبين من أمم الاولين فان
(وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا) وكيف تنافى البشرية الرسالة مع انه لا يشترط فيها نزول الرسل من السماء بل يكفى فيهم انه (نُوحِي إِلَيْهِمْ) بارسال الملك إليهم فإن التبس بالشيطان عليكم (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) أي الشرف من علماء الأمم (إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفرق لقصور نظركم
(وَ) لا يشترط في نزول الملائكة عليهم خروجهم عن البشرية بالكلية لأنه اما إلى الجماد وهو باطل لانا (ما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا) جماديا بحيث (لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ) فإن الجمادية تبطل المناسبة بالملائكة فلا يكمل بترك الطعام مناسبتهم (وَ) اما إلى كمال الحياة